Close ad

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: التنمية المستدامة والعدالة البيئية عند الفاروق

17-4-2022 | 00:55

ظهر مصطلح التنمية المستدامة كفكر وفلسفة جديدة للتنمية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي في وثيقة مستقبلنا المشترك وتبعه مصطلح العدالة البيئية بين المواطنين وبين الأجيال، وقد يدهش الكثيرون عندما نجد أن هذه الأفكار نفذها الفاروق عمر منذ نحو أربعة عشر قرن، وكان سباقًا في التنفيذ والتطبيق؛ لأنه حتى الآن فكر وفلسفة التنمية المتواصلة والعدالة البيئية ما زالت أمنيات لدى الكثيرين في مختلف أنحاء العالم؛ لوجود عقبات وصعوبات شتى تحول دون ترجمتها إلى واقع على الأرض.
 
ويكفي للاستدلال على ذلك ما يعانيه العالم من مشكلة التغيرات المناخية وعدم اتخاذ الدول الكبرى إجراءات فعالة للحد أو منع هذه الكارثة، وهنا نذكر تصريح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في مطلع هذا الشهر بمناسبة تقرير الهيئة الدولية المعنية بتغير المناخ حيث قال: (إن العالم يسير نحو كارثة مروعة نتيجة عدم وفاء دول العالم بوعودها وتعهداتها للحد من التلوث؛ مما أدى لأزمة خطيرة تهدد البشرية فنحن جميعًا نسير بسرعة مروعة نحو كارثة مناخية؛ تتمثل في غرق مدن كبرى أو أجزاء منها، ونقص في المياه والمحاصيل، وموجات حر وارتفاع في درجات الحرارة لم يسبق لها مثيل، وانقراض نحو مليون نوع من النباتات والحيوانات ومشكلات صحية واقتصادية وهجرات كبيرة.
 
كل ما سبق ليس خيالًا أو مبالغة؛ بل هو قريب جدًا نتيجة السياسات السائدة في العالم؛ خاصة في مجال الطاقة لإصرار كثير من الحكومات ورجال الأعمال خاصة في الدول الكبرى على تجاهل اتفاقيات مؤتمرات المناخ الأخيرة في الحد من استخدام الطاقات الملوثة، رغم وجود بدائل نظيفة للطاقة.
 
والمشكلة في النظرة قصيرة الأجل للكسب المادي والصراع حوله بين الدول الكبرى، دون مراعاة لحقوق الأجيال القادمة والأخطار المحيطة بالعالم كله، نحن الآن مدينون كثيرًا ومقصرون في حق أبنائنا والأجيال القادمة بدين ضخم ورهيب وخطير.
 
مضمون ما سبق يعني تجاهل مبادئ التنمية المستدامة والعدالة البيئية؛ سواء بين الدول أو بين الأجيال بالرغم من انتشار الثقافة والوعي البيئي بهذه الموضوعات وانعقاد كثير من المؤتمرات والندوات حولها في جميع أنحاء العالم.
 
وهنا نرجع للفاروق ماذا قال وماذا فعل منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام عندما فتح الله عليه بفتح بلاد مصر والشام والعراق وفارس؛ وكلها كانت غنية بالزراعة والخيرات، وربما كانت تعد أكبر ثروة لأي حاكم في التاريخ كله.
 
كما راعى الفاروق عمر حق الأجيال المقبلة في الغنائم، لأنه رأى أن الظروف والأوضاع الراهنة وقتها أصبحت مختلفة، متسائلًا ماذا سنترك لأولادنا وأحفادنا في المستقبل؟ فإذا وزعت هذه الغنائم في هذا الوقت، كما وزعها رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فسوف يكون هناك قلة تملك الكثير وأغلبية لا تملك.
 
وهذا بعيد عن مضمون الدين، وحتى لا يكون المال في يد قلة، وترك أمر توزيع الغنائم للشورى، واقتنع الجميع برأي الفاروق، وأصبحت كل هذه الغنائم ملكًا عامًا للدولة الإسلامية ولم توزع.
 
وهنا دروس كبيرة وكثيرة مستفادة، أولا هذه هي النظرة المستقبلية التي تراعي حقوق الأجيال القادمة، وهذا هو جوهر التنمية المستدامة، ثانيًا هذه هي العدالة البيئية في أروع صورها؛ سواء بين المواطنين أو بين الأجيال الحالية والقادمة، ثالثًا حافظ عمر على حقوق وأراضي كل إقليم أو قطر، والأهم أن عمر عرَّض نفسه لمخاطر كبيرة وهو لم يكن في موقف أزمة أو يعاني من فقر أو ديون؛ بل هو والدولة كانا في حالة انتصار ووفرة ورخاء، وليس ضد فئة ضعيفة أو عادية، وعرَّض نفسه لاتهامات عديدة مثل مخالفة الشرع والسنة.. وغير ذلك، ولكنه أبدى مصلحة الأجيال القادمة وحقوقها والعدالة البيئية في أروع صورها.
 
وطبق عمر بن الخطاب التنمية المستدامة في أجمل صورها ومعانيها، رحمة الله عليك، وما أحوج العالم اليوم إلى هذه الشخصية وهذا الموقف العبقري.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: