Close ad

ماجي الحكيم تكتب: أفكار الوحش

14-4-2022 | 11:37

منذ فترة فوجئت بصديق، يتدخل في بعض أموري الشخصية بدعوى النصيحة والأخوة، تقبلت فكرة أن ينصحني، لكني لم أقبل النصيحة نفسها.
 
تكرر الأمر عدة مرات، فأوضحت له بدبلوماسية مدى امتناني لاهتمامه لكني أرفض هذا الضغط أو التدخل، وبعد فترة عاد ليؤنبني على عدم استماعي للنصيحة، فما كان مني إلا أن شرحت له بمنتهى الوضوح أنه هو من يحتاج إلى تصحيح أخطاء كثيرة لديه؛ لأنه يعاني مشاكل كبيرة دون أن ينتبه - دون ذكر تلك الأخطاء - وذلك لمجرد أن أوصل له فكرة إن كل شخص عليه أن يهتم بأموره أولا قبل أن يرشد الآخرين، فما كان منه إلا أن قاطعني، وأحمد الله أنه أزال عني هذا العبء.
 
هذا الموقف الذي أعتبره قاسيًا، ذكرني بقصة روتها إحدى الصديقات منذ فترة، عندما كانت في زيارة جارة لها، التي استأذنتها لتصحب ابنتها الصغيرة للنوم، وتركت لها كتابًا إنجليزيًا مصورًا لقصص الأطفال اسمه "قصة وحشين"، فقررت أن تقرأه إلى أن تعود صديقتها.
 
القصة عبارة عن رواية ثنائية لنفس الرواية، الجزء الأول ترويه ذات القبعة الحمراء قائلة: "كنت أتمشى في الغابة عندما رأيت وحشًا صغيرًا متعلقًا على غصن شجرة، وحياته في خطر فأنقذته، وأخذته معي إلى بيتي وحممته وألبسته بيجامة صنعتها له، وأخذته ليتمشى معي كل صباح ليكون رشيقًا وصحيًا، أخذته معي إلى المدرسة وجعلت كل أصحابي يلعبون معه ويحبونه، وصنعت له بيتًا صغيرًا في غرفتي ووضعته ليرتاح فيه.
 
وذات ليلة وضعت له قبعة لأن الجو كان باردًا، فوجدت وجهه محمرًا وجسده حرارته مرتفعة، فهرعت إلى النافذة فتحتها له حتى يشم هواءً نظيفًا، وفوجئت به يخلع قبعته ويهرب مني! لا أدري لماذا فعل هذا بعد كل الرعاية التي منحته إياها حتى إنني أنقذت حياته.. ثم ذات ليلة عاد ذلك الوحش الصغير وارتدى القبعة ونام في غرفتي، ربما أنه أدرك أخيرًا ما فعلت من أجله.
 
الجزء الثاني من الكتاب هو نفس القصة، لكن هذه المرة يرويها مخلوق صغير قائلا: كان يومًا جميلًا وكنت ألعب وأتأرجح على غصن شجرة، حتى فوجئت بوحش صغير يهجم عليَّ ويخطفني، أخذني إلى مكان معتم مغلق وعذبني في حوض مياه، وكان يجرني كل صباح خلفه كالعبد نمشي لفترات طويلة من دون غاية، أخذني إلى مكان مليء بالوحوش الصغيرة المزعجة أمثاله، قرصوا خدي وأزعجوني بلمساتهم وضجيجهم ولعبوا بي، ثم أعادني إلى المكان المعتم وصنع لي سجنًا ضيقًا من كرتون وورق وكتب عليه" بيت"، وأنا أعرف إنه ليس بيتي، ذات ليلة وضع لي ذلك الوحش قبعة ضيقة على رأسي، طفح الكيل لدي، وشعرت بحرارة جسمي ترتفع، ووجدته يفتح النافذة، فاغتنمت الفرصة ورميت القبعة وهربت إلى الغابة.
 
وفي يوم من الأيام كان البرد شديدًا فقررت أن أعود وأقضي الليلة مع ذلك الوحش في غرفته؛ لأشعر بالدفء لليلة وأعود في الصباح للغابة الجميلة.
 
أحمد الله ثانية لأن تلك القصة للأطفال ليتعلموا مبكرًا إن لكل إنسان طبيعته، ووجهة نظره، وقناعاته وحياته.
 
كل يرى نفسه ذكيًا وملمًا ببواطن الأمور، والبعض يظن أنه وحده على حق، ويمكنه أن يدل كل المحيطين إلى الطريق الصحيح، في حين أن المطلوب منه أن يهتم بما يحتاجه الآخرون بدلًا مما يحب أن يفرضه عليهم.
 
لو أن كل شخص أهتم بذاته وتعامل مع الآخرين على أنهم مختلفون وأحرار، لتحولت الوحوش إلى بشر.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة