راديو الاهرام

د. مجدي العفيفي يكتب: جلال المشاهدة في المرآة الكونية (1)

13-4-2022 | 13:42

صار اقتناص الفرصة للتقابل مع الذات فوزًا عظيمًا.. وصار التحاور مع النفس فوزًا أعظم.. بل أصبح الانفراد بها «مغانم كثيرة» أيضًا، حدث ذلك في ثنايا الاحتفاء الكوني التي تغشى نفوسنا في أجواء هذه الأيام وذبذباتها ذات السعة العالية، تلفنا هذه الروحانيات المتوهجة بحوارات مسكونة بحوادث، ومحاورات مشحونة بأحداث، ودثارها نور ونار، وأمل وألم، وأشواق لإشراق، وعذابات وعذوبة. 
 
والنفس تتدثر بمقامات «التخلي» و«التحلي» و«التجلي» وتتماوج شفافيتها في المسافة الغامضة بين «التجريد» و«التفريد» و«التوحيد» ولتتمايس لاهتزازات وارتعاشات ومراجعات النفس الأمارة بالحب والنور، والقلب النابض بالجمال والجلال في هذا السياق الكوني المهيب، ما أجمل أن تمتلئ ذاتك بذوات الآخرين، والأكثر جمالا أن يكون «التوحيد» هو الرابط الذي يشدك إلى الامتثال في حضرة العلماء، والأسمى جلالا أن تحلق في أجواء أحسن ما أنزل الله إلى العالمين {أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم..} {سورة الزمر:55} ليلة.. ليلتان.. ثلاث ليال.. في صحبة عالم جليل، عاش قبل ألف عام، ولا يزال حيًا في قلوب {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّه أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} {الرعد: 28} إنه العالم الجميل فخر الدين الرازي (الميلاد: 1149م، 544 هجرية، الوفاة: 1210م، 606هـ) أنصت إلى صوته من العالم الآخر: «لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلا، ولا تشفي عليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات {الرحمن على العرش استوى} {إليه يصعد الكلم الطيب} وفي النفس {ليس كمثله شيء} و{هل تعلم له سميا}.
 
«مفاتيح الغيب- التفسير الكبير».. جوهرة الرازي الثمينة التي لا تضاهيها جوهرة في بحار القراءات المتعددة للقرآن الكريم، فلكل عصر قراءته، ولكل عالم طريقته في القراءة، وما أحوجنا إلى القراءات الكاشفة، التي لا تسير في طريق تعبنا من السير فيه، وتعرض علينا صورًا شاهدناها من قبل مئات المرات.
 
سنوات وسنوات وأنا أنهل من ينابيع هذا العالم الفذ، ولم أرتو، وبعد لقاء معه لابد أن يهتف القلب: (هل من مزيد) وكأنه نهر النيل(!) من يشرب منه لا يشبع، ولابد أن يعود إليه، أو يفترض ذلك.!. 
 
« مفاتيح الغيب. التفسير الكبير» ثلاثون جزءًا، الصفحة الواحدة تقرأها في ساعتين، فمن أسرار قراءة الرازي، أنها يشتبك فيها التحليل اللغوي بالفقه بالتاريخ بالجغرافيا والفلسفة والمنطق والعلوم التطبيقية والكونية والدنيوية والأخروية، والرياضية والنحوية والصرفية، إذ يضع بين يديك خلاصة سبعة قرون من العلم المكثف الذي تركه السابقون، ثم يكشف عن رؤيته وآرائه ومشاهداته القلبية وشهوده الفكرية، وكم من معاصرين لنا الآن يغرفون منه، لكنهم- بلا حياء أو خجل- لا يعترفون ويحفظون للعالم الجليل أدنى حقوقه الأدبية. 
 
تجليات الرازي كثيرة في نورانياتها، كثيفة في غاباتها، غزيرة في لغتها ذات الأعماق البعيدة، عزيزة في مضامينها التي لا يتجادل معها إلا أولو الألباب. 
 
 أبدع الرازي إبداعًا في كتلته السردية هذه عن سورة الفاتحة، حتى إنها استغرقت أكثر من 932 صفحة، وشغلت جزءًا كاملا، وما هذه السطور إلا مجرد ومضات، من شجرة نور «رازية»، رحم الله من أبدعها غرسًا وزرعا ورعاية وعناية.
 
آثرت أن نتشارك مع منظور عالمنا الرازي إلى «سورة الفاتحة» وما أدراك ما سورة الفاتحة، تلك الرائعة التي نرددها 71 مرة كل يوم ونحن ندثر قلوبنا بالصلاة، لعل الله يرضى.
 
وفي اللقاء القادم: (شواهد الألوهية، ومشاهد العبودية) إن كان في العمر بقية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة