Close ad

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: العقل الإرهابي.. وأغصان السماحة

12-4-2022 | 07:42

"بالسلاح تستطيع قتل الإرهابيين؛ إنما بالتعليم تقتل الإرهاب".. تلك هي مقولة أطلقتها السيدة/ ملالا يوسفزي، وهي ناشطة باكستانية مدافعة عن قضايا حقوق الإنسان وأهمية التعليم في العموم ــ وتعليم الإناث بشكلٍ خاص ــ وهي حائزة على جائزة نوبل في العام 2013؛ ولا يوجد أدنى شك في الاقتناع بتلك المقولة من كل ذي فكرٍ مستنير يواكب العصر ومتغيراته المتسارعة؛ ونحن نأمل بكل الجدية والإصرار أن نتناول موضوع مكافحة الإرهاب على نحو متعمّق ووافٍ ــ وبخاصة بعد تكرار حوادث القتل على الهويَّة والعقيدة ــ لنتمكن من العيش في أرجاء أوطاننا بكل الأمن والأمان.
 
وللأسف لم تأخذ تلك الحوادث اهتمامًا للتصدي لها بالقدر الكافي والواجب؛ باعتبارها حوادث فردية على الصعيد المجتمعي؛ وإيعازها إلى بعض خلافات ومشاحنات "الجيرة" العادية؛ أو المشاجرات الناجمة عن مشاكل الأطفال الصغار ـ كعادة التجمعات السكنية المتلاصقة ــ ولكنها انتشرت وتفشت حتى أصبحت في حكم "الظاهرة" التي تستحق الدراسة لوضع الحلول الجذرية لها؛ من أجل حماية المجتمع ومكتسباته على كل المستويات.
 
ولكننا نصطدم بالحقيقة المؤسفة لتلك الظاهرة؛ ونجد أن خلاصة ما أسفرت عنه تلك الدراسات الجادة والمخلصة من المتخصصين؛ بالإضافة إلى تقارير الجهات الأمنية؛ هو ظهور ما يسمى بـ "العقل الإرهابي" داخل نسيج المجتمع؛ وهو نتاج عدم "تجديد الخطاب الديني" ـ في المساجد والكنائس ـ والقيام بالتوعية الكافية لشرح مضامين واهداف "كتب" أصحاب العقائد السماوية؛ ولعل غياب "إستراتيجية" قوية ومُمنهجة لطرق التعليم في مصر والعالم العربي؛ تُعد السبب الرئيس في نمو هذه العقلية الإرهابية المتطرفة بين جنبات مجتمعاتنا.
 
ولا ننكر أن الطابع الإرهابي متجذر في العقلية العربية منذ أحداث الفتنة الكبرى؛ حين تفرقوا شيعًا يقاتلون بعضهم بعضًا باسم الدين؛ وقد قام فقهاء السلاطين في كل عصر بغرس بذور الفتنة والإرهاب بين الفرق الإسلامية كالشيعة والسُّنة وكل المغايرين لتوجهاتهم المذهبية؛ بل إن تلك الجذور لم تجد الهواء النقي الذي يُثمر أغصان السماحة والرضا؛ إلى أن أصيبت تلك الجذور بالعفن والعطن؛ وما زال هناك على سطح الأحداث من يقومون بـ "ري" تلك الجذور العَطِنَة بالدماء.. فلا تُثمر سوى أغصان شجر الحنظل والحَسَكْ في كل دروب محاولة الإصلاح والوصول إلى اجتثاث جذور الإرهاب من تربة الوطن؛ حتى وصل الأمر إلى الاعتداء ـ من الطوائف المسلمة ـ على أضرحة الأولياء الذين تحتفي بهم جماعات الصوفية والمتصوفة!! ما بالنا بمن هُم أصحاب العقيدة من المسيحيين الذميين أصحاب الكتاب؟
 
إذن.. فالإرهاب لا وطن ولا دين له! ولم يرع أولئك الملوثة عقولهم بالأفكار الإرهابية العقيمة؛ حُرمة الأشهر المباركة؛ لتمتد أياديهم النجسة لتتلطخ بدماء الأبرياء الذين يؤمنون بالله الواحد القهار ويستظلون معهم بسماء وطن واحد؛ ولكن الغباء المُمنهج له من يسيرون خلفه بلا عقلٍ!  
 
إن طيورالظلام من الجماعات الإرهابية ــ يستوي في هذا جماعات ما يسمَّون بـ "الإخوان المتأسلمين" أو "الجماعات المتطرفة" ــ يحاولون أن تظلل أجنحتهم السوداء سماء أوطاننا القابعة في سلام ويتمتعون بأخوة قوية فيما بينهم؛ لا تحمل البغضاء والحقد لأي جنس من البشر؛ فالكل سواسية أمام الله وهو وحده ــ سبحانه ــ الذي يملك الحساب والمحاسبة يوم يبعثون.
 
ولكن.. كيف نبتت وترعرعت جذور الإرهاب العطِنة في مصر؟ نعلم جميعًا أنه قد انتشرت بعض أعمال الفوضى بعد انتفاضة الثورة في يناير 2011 وواكبها ـ بفعل فاعل ـ انهيار منظومة الدولة الأمنية وعلى رأسها جهاز الشرطة؛ ولكن سرعان ما سيطر الجيش المصري على الساحة؛ وقام بإزاحة القوى التي استولت على زمام الأمور في غفلة من الزمن؛ وهو الأمر الذي فتح الطريق أمام قيام شراذم الجماعة الإرهابية بترهيب المواطنين الآمنين بالمتفجرات والاغتيالات العشوائية في كل أنحاء الجمهورية؛ وبخاصة في ربوع سيناء التي كانت قمة أحلامهم وأهدافهم للمقايضة مع الكيان الإسرائيلي وجعلها وطنًا للاجئين من الشعب الفلسطيني الذي يسبح في الشتات منذ قيام الدولة العبرانية على أشلاء الوطن الفلسطيني.
 
ولعلنا نلجأ إلى صفحات التاريخ التي تقول سطورها للتوثيق للأجيال: كانت عظمة وتجليات شهر يوليو في العام 2013؛ حين خرج الفريق أول ووزير الدفاع آنذاك عبدالفتاح السيسي في خطاب له أمام القوات المسلحة المصرية وطالب جموع الشعب بإعطائه تفويضًا في محاربة الإرهاب واجتثاثه من جذوره، وهو ما تحقق في اليوم التالي بخروج جموع غفيرة للشوارع فيما سمي وقتها "مليونية تفويض الجيش" لإعطاء "السيسي" الضوء الأخضر في شن حرب مضادة على الإرهاب.
 
ومع كل التحية والإكبار والإعزاز للمجهودات الجبارة التي يقوم بها الرئيس لكبح جماح الجماعات الإرهابية؛ وهي الجماعات التي تقوم بتفيذ أجندات خارجية لا تريد الخير لشعبنا والقضاء على مسيرتنا التنموية الوطنية الناجحة نحو التعمير؛ من أجل تعويض سنوات التجريف في الحقبة الماضية؛ فإننا ننتظر ثورة حقيقية في حقل التعليم بكل مراحله في مصر؛ والاهتمام بالثقافة للقضاء الفعلي على جذور الإرهاب الفكري الذي يعشِّش في عقول الإرهابيين.. ولنعُد بجديَّة وفاعلية إلى تطبيق مقولة الناشطة الباكستانية: "بالسلاح تستطيع قتل الإرهابيين؛ إنما بالتعليم تقتل الإرهاب".
 
لقد آن أوان زرع ثمار السماحة والتظلل بأغصانها دون غيرها فلنغتل العقل الإرهابي من جذوره حتى يلتقط النفس الأخير ويرحل إلى غير رجعة لننعم بالسلم والأمان ونعيش إنسانيتنا، ولا شيء على الله بعصي مع جهود المخلصين.. واسلمي يا مصر في كل حين!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رئيس قسم الإنتاج الإبداعي الأسبق بأكاديمية الفنون وعضو اتحاد كتاب مصر

 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة