Close ad

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: غبار البارود الروسي

10-4-2022 | 15:32
الأهرام المسائي نقلاً عن

رغم قراءته في ترجمته العربية منذ نحو عشر سنوات، وجدتني أعود إلى كتاب "عندما تحكم الصين العالم"، لمؤلفه البريطاني مارتن جاك. كانت الدكتورة فاطمة نصر، أستاذ الأدب الإنجليزي ومؤسسة دار سطور الجديدة، قد أرشدتني إليه في أحد لقاءاتنا المتكررة على هوامش الكتب حيث تجمعنا فضاءات الأفكار. كانت رحمها الله صاحبة رسالة؛ فى الوقت الذى كانت تطلب فيه بعض دور النشر عشرات الآلاف من الجنيهات لطبع كتاب، كانت تعرض على المؤلفين إيصالات سداد رسوم نشر كتبهم، مكتفية بهامش ربح بسيط. سَخَرت خبرتها الطويلة والعميقة في اللغة الإنجليزية في ترجمة ونشر كتب الفكر الحديثة، تزينها أغلفة رسوم الصديق العزيز الفنان حسين جُبيل.

 بانتهاء الحرب العالمية الثانية أُعيد تشكيل القوى العظمى، بروز أمريكا والاتحاد السوفيتي، وتراجع بريطانيا وفرنسا. بمبادرات أمريكية أنشأت مؤسسات عالمية؛ الأمم المتحدة، صندوق النقد الدولي، وحلف الناتو، علاوة على تسيد الدولار قائمة العملات العالمية. بانهيار الاتحاد السوفيتي أوائل التسعينات خلت الساحة أمام أمريكا وإن بدت في الأفق تباشير محاولات صناعة قوة موازية.

 كانت أوروبا تتحسس طريقها محاولة جمع شتاتها تحت راية واحدة، ألمانيا المنقسمة إلى شطرين تلتئم من جديد تحت راية واحدة. حراك وسعى حثيث لإعلان الاتحاد الأوربي وإن تفاوتت القرارات؛ صوت الدنماركيون بلا للاتحاد والعملة، وصوت البريطانيون بنعم للاتحاد ولا لليورو. بإعلان الاتحاد، برزت مراكز الثقل في ألمانيا وفرنسا، على الترتيب. انضمام دول أوربا الشرقية المتعبة اقتصاديًا؛ بولندا، التشيك، لاتفيا، عُلقت المزيد من أكياس الرمل في سيقان الاتحاد، بخلاف خطط رعاية الدول محدودة الدخل مثل قبرص واليونان.

وحدها كانت الصين تنمو في صمت، منتجات تنتشر في زوايا العالم، ما تسهر عليه العقول الغربية لسنوات تستنسخه معامل الصين في أسابيع وبأسعار زهيدة، والنتيجة قفزات اقتصادية بالغة الاتساع 7%، في حين يتجاوز اقتصاد الدولة الأقوى عالميًا –أمريكا- 2% سنويًا بالكاد، ويجاهد الاتحاد الأوربي للوصول إلى عتبة 2,5%.

الفارق الأكبر، تمثل في تحول الصين من شعار "المصنع الأرخص كُلفة" إلى "البديل التكنولوجي" في كافة المجالات، الاتصالات، البنية التحتية، التسليح، وغيرها. مع سياسات انفتاح يقودها تعزيز المصالح وقضم المزيد من كعكة الاقتصاد العالمي.

 حرب باردة بين الصين وأمريكا – وإن لم تُعلن بشكل رسمي - اقتصادية في المقام الأول، سياسية في المقام الثاني، توسيع المجال الحيوي. تستخدم فيها الصين قوتها الناعمة في الاتجاهات الأربعة؛ مساعدات اقتصادية، إمدادات لوجستية، بنية تحتية، استثمارات في كافة القطاعات.

 من جانبها، حاولت أمريكا التشكيك في صورة الصين عبر الربط بينها وبين فيروس كورونا، أقصى أهدافها إثبات تخليقه في أحد معاملها، وأدناها تكتمها على إصابات وقعت على أراضيها، لو أُعلن عنها في حينها لأمكن تحجيم الكارثة الكونية. إلى جانب ذلك، تسعي أمريكا لمساعدة نيودلهي لتصبح القوة المناوئة لجارتها بكين، اعتمادًا على امتلاك الهند قوة اقتصادية يمكنها المنافسة، إلى جانب كتلة سكانية موازية، أكثر من مليار نسمة.

 اليوم، تراقب الصين الصراع العالمي بعيني تنين، روسيا في جانب وأوكرانيا وأوروبا في الجانب الآخر. بينما تمارس أمريكا دور شيخ الحارة. التريث سيد الموقف، فالصراع كفيل بإنهاك أوروبا اقتصاديًا وشغلها حتى حين. الجغرافيا والموارد تكفل لأمريكا مستقبلا أكثر استقرارًا. انكسار روسيا يعني انكماش التنين، وانتصارها يعني إمكانية ضم الصين مناطق النزاع؛ التبت وهونج كونج وتايوان. منذ عقود والحدود الصينية تعاني آثار التهابات مزمنة، تداويها بالمسكنات ريثما تسنح الفرصة، الحرب الدائرة إحداها، حينئذ لن يرسم غبار البارود الروسي حدود أوكرانيا الجديدة، بل والعالم أجمع.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة