Close ad

د. حسام الإمام يكتب: حدث بالفعل.. جبر الخواطر

5-4-2022 | 17:18

انطلقت بنا سيارة مديرنا النرويجى فى شوارع مدينة برجن متجهة إلى منزله، تلبية لدعوته لتناول العشاء مع أسرته، ورغم قضائى أسبوعين فقط منذ وصولى إلا أننى كنت قد لاحظت حرص هؤلاء الناس على استغلال الأوقات البينية فى تبادل الحديث للمزيد من التعارف وتبادل المعلومات.

بعد دقائق من تحركنا أبدى أحد الزملاء إعجابه بسيارة المدير، شكره المدير ثم توجه إليه بالسؤال: هل تملك سيارة؟.. نعم.. ما نوعها؟.. مرسيدس.. قال له: ما أجملها، تتمتع بالفخامة والمتانة لابد وأنك تستمع بقيادتها كثيرًا، ما تزال السيارات الألمانية تفرض نفسها فى كل مكان.. ثم سأل الآخر: وأنت؟ قال له أمتلك سيارة فورد.. قال له: رائعة، سيارة أمريكية ذات طراز خاص وتتمتع فى قيادتها برفاهية عالية..

ثم سأل الثالث: وأنت؟ قال له الحقيقة أن سيارتى بسيطة وقديمة بعض الشيء، ماركة فيات.. قال له: أنا أحب تلك السيارات جدًا، إنها سيارة جميلة المنظر وموفرة وصيانتها متاحة دائمًا ولا تحتاج إلى الكثير من المال.. أنت محظوظ. 

ثم التفت وسألنى: وأنت يا حسام؟ الحقيقة كنت أخجل أن أخبره أننى لا أملك سيارة حتى ذلك الوقت؛ لأن ظروفى لا تسمح بذلك، ومع صمتى وترددى فى الإجابة وجدته يبادر قائلًا: يبدو لى أنك لست من هواة قيادة السيارات.. قلت له فى الواقع أنا لا أمتلك سيارة لكننى أرغب فى شراء واحدة عندما أعود فقد اصبحت فى حاجة شديدة إليها.. قال: أنت الأكثر حظًا فى تلك المجموعة. نظرت إليه متعجبًا وسألته لماذا؟ قال لأنك تستطيع قضاء كل احتياجاتك مستخدمًا الأوتوبيس أو التاكسى، لا حاجة للبنزين والصيانات المستمرة والحوادث المحتملة والمصاريف الكثيرة، ألم أقل لك أنك الأكثر حظًا هنا.

جلست طول الطريق أفكر فى حديث الرجل وأعيده على نفسى، إنه لم يبد أي ملاحظات سلبية على أى شيء، كل ما قاله كان إيجابيًا ومشجعًا لمن حوله. لم يقل لمن يملك المرسيدس والفورد "كده يبقى إنت أكيد غنى حرب" ولا "إللى عطاك يعطينا يا سيدى".. ولم يحرج مالك السيارة الفيات ويقول له "يااااااه.. فيات.. ده إنت من زمان قوى.. هو لسه فيه حد بيركب فيات "ولا" يا راجل ده كلام.. دى عربية قديمة ما يصحش واحد فى مركزك يركبها". حتى من لا يملك سيارة قال له أنت الأكثر حظًا هنا! 

إلى هذا الحد يجيد جبر الخواطر؟ إلى تلك الدرجة يجيد البحث عن أجمل الأشياء فى الموقف ويذكرها دون سخرية أو استهزاء.

وتذكرت على الفور أسلوبه فى المناقشات العلمية التى كانت تدور بيننا، وكيف أننى لم أسمع فى يوم كلمة "محبطة" مهما كان رأيى ومهما كان أدائى سيئًا.. كان دوما يبدى ملاحظاته بادئًا بجملة: ممتاز من الواضح أنك قد بذلت مجهودًا رائعًا، وأرى أنك قد اقتربت من تحقيق النتيجة المرجوة.. ثم يقول: لكن ألا ترى أنه قد يكون من الأفضل معالجة تلك النقطة من خلال كذا وكذا....

أو ألا تعتقد أنه قد يكون من المناسب البحث أكثر فى هذا الأمر للحصول على المزيد من الآراء التى تثرى بحثك؟ أو هل تظن أنه يمكنك تنقيح ذلك الفصل من خلال لقاء أحد الأساتذة المتخصصين؟ لاحظوا أنه دائمًا يقول: ألا ترى، ألا تعتقد، ليجعلنى أنا من يرى ويعتقد ويقترح، على الرغم من أنها أفكاره ومقترحاته، لكنه يريد أن يعطينى الثقة فى التحرك والبحث وألا تكون مقترحاته بمثابة أمر أو نقد، لذلك كانوا يحصلون على أفضل جهد من جميع الباحثين وأفضل نتائج ممكنة.. لم يعنفني أو يقول لى ما هذا التخريف؟ كيف حصلت على درجة الدكتوراه؟ من الذى سمح لك بالعمل فى مجال البحث العلمى؟ أنت لا تصلح لشيء... إلى آخره من الكلمات والعبارات المحبطة سمعناها كثيرًا من أناس ليت لهم حظ مما قالوه. 

لا أنسى عندما حضر إلى غرفة مكتبى فى أحد الأيام وسألنى ماذا سوف تفعل فى عطلة نهاية الأسبوع! كان سؤاله صدمه بالنسبة لى، فلم أتعود ذلك السؤال.. قلت له سوف أقضيه فى المنزل للانتهاء من عملى.. سألنى متعجبًا: ولماذا تعمل فى المنزل؟ ثم نظر حوله وأشار إلى دولاب صغير فى أحد الأركان وقال: هذا مخصص لك ضع به ما شئت من احتياجاتك الخاصة، وهناك ثلاجة فى الخارج ضع بها طعامك الخاص الذى قد تحتاج إليه خلال فترة الراحة، وهناك ماكينة الشاى والقهوة متاحة للجميع.

قلت له نعم أعلم لكن ما علاقة ذلك بعملى فى المنزل؟ قال: هذا المكتب مخصص للعمل، ابق هنا كما تشاء حتى تنتهى من عملك، المنزل للراحة فقط، لا تهدر لحظاتك الخاصة فى أمور العمل، ضع كل شيء فى مكانه الصحيح. 

الكلمة الحلوة وجبر الخواطر عايشتها خلال عملى هناك ووجدتها وقد تحولت إلى ثقافة عامة بين الناس، بل إنها ارتقت لتصبح فنًا يجيده ويحرص عليه كل شخص فى تعامله مع الآخرين.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة