Close ad

د. خالد قنديل يكتب: الصوم والشعور بالآخر

4-4-2022 | 09:42

ما إن تدق الساعات من مسافةٍ ليست بعيدة إيذانًا باقتراب الشهر الفضيل، إذا بنا نستمع إلى "رمضان جانا"، تنطلق من جميع الأجواء، ثم من جديد يعود إلينا شهر رمضان ببهائه المنير ونقائه الأثير وهدوئه الغرير وروحانياته، ثم هذه الابتسامة على وجوه الناس الذين جهزوا أنفسهم لاستقباله والترحيب بالنفحات الطيبة التي بثها الله في الأرض عبر شهر التقوى والرحمات، الذي خصه الله تعالى بمزايا عدة، فهو شهر تجتمع فيه الطاعات، ويعتني فيه العبد بأمرٍ وهدى من إله الكون بغذاء الروح، والسمو عن الشهوات، ويعمل على تربية نفسه، والرقي بروحه.
 
ولكن هذه العطية الكبرى المتمثلة في هذا الشهر المليء بالبركة والحكمة والروحانيات، فإننا بحاجة إلى التأمل والتساؤل المهذب للنفس والعقل عن الحكمة من الصوم، التي هي في ظاهرها انقطاع عن الطعام والشراب لأجل محدد وميقات معلوم، غير أن عمق هذا الانقطاع يؤول إلى أبعادٍ نفسية وإنسانية أكبر وأرقى، مثل كف الأذى بكل أشكاله عن الإنسان والحيوان والنبات، والصوم عن كل ما هو مكروه أو حرام أو ما يغضب الله، وأن يعف اللسان عن الزلل، بل أن يعتاد ذكر الله كثيرًا، ويعتاد قول الخير للجميع كبيرًا وصغيرًا.
 
وبمزيد من التأمل في حكمة الصوم حتمًا سنبلغ مرام الحقيقة حين نربط إحساسنا بالجوع والعطش بإحساس الفقراء والمعوزين، ولقد اعتدت أن أحاول وأنا أب أن أزرع في نفوس ولديّ الحسن والحسين القيم المعتمدة على التعاضد ومساندة الآخرين ودعمهم، وبالطريقة ذاتها التي علمني بها أبي معلمى الأول الدكتور محمد عبدالمنعم قنديل، علني أقدم لهم درسًا ينير طريقهم ويرسخ في نفوسهم قيمة تستمر معهم في حياتهم، لنعلي قيمة التكافل الاجتماعي، تلك القيمة التي أمرنا بها ديننا الحنيف، ومنها إطعام الطعام وبذل الصدقة، ودعم المستشفيات التي تعالج أهلنا وأطفالنا، إذ دائمًا ما أجلس مع أبنائي الحسن والحسين نتحدث ونتشاور فيما بيننا في جميع الأحداث والحكم التي نعيشها في هذه الحياة، ومنها حكمة صوم شهر رمضان وأهميته فكانت الفكرة أن أتحدث إليهم، لأن الحديث في حد ذاته يمثل موقفًا راسخًا في ذهن الأبناء يتذكرونه مهما مرت السنوات، وهذا ما يحدث معي كلما جاءني صوتُ أبي من سنواتٍ بعيدة يذكرني بقيمة في الحياة، فأفعل ذلك الآن مع أبنائي، لتكون الكلمات دليلا يُستضاء به طريق، ويرجعون لها حين يكبرون ويعيدونها على مسامع أبنائهم.
 
وفي حوار متكرر مع ولدي الحسن كان يريد أن يعرف ما الحكمة من الصوم لأنه يشعر بالجوع، فقلت له تحمّل وضع حجرًا فوق بطنك، فتساءل: هل جميع الصائمين يضعون حجارة فوق بطونهم؟ هل هذه الحكمة من الجوع يا أبي؟ أن أضع حجرًا فوق بطني، وماذا بعد هل سيزول الجوع؟ وعلى الرغم من أسئلة الفطرة في عقله وعينيه غير أنها كانت فرصة كبيرة لحوار متقدم معه حول الصوم، وأن إحساسنا بالجوع يجعلنا نجرب إحساس إنسانٍ آخر يمرُ بظروفٍ قاسية ويعاني حرمانًا، حتى نكون سببًا من الله مشفقًا عليه نعينه على حوائجه.. وهذا العام سيكون الأول للحسن الذي يجرب فيه الصوم ليوم كامل، وسوف أساعده في ذلك من واقع هذه الحكمة التي أيضًا تعد تدريبًا بدنيًا ونفسيًا على فكرة التحمل.
 
فالصوم يا أحبائي وسيلة مثلى للشكر، فإننا بالامتناع عما أنعم الله به على علينا من طعام وشراب وسائر الشهوات المباحة يتبين لنا قدر تلك النعم وحاجة الإنسان إليها، ومدى المشقة التي تلحق المحروم منها، فتتشوق أنفسنا إلى شكر الْمُنعِم الوهاب الغنيّ العظيم الذي وهب ومنح دون حاجةٍ لنقابل، وفي الصوم صحة للبدن من الأمراض والأسقام، والسموم التي نتجت عن أنواع الطعام الذي دخل إلى جوف المرء طيلة العام، ليبدأ الجسم باستهلاك المخزون الجسدي، وطرد ما فيه من سموم أو فضلات، فيقل العبء الملقى على القلب، ويتهيأ جهازنا الهضمي أن يجدد حيويته. فسبحان الذي شرّع لنا الصوم وجعله ركنا في الإسلام تهذب به أرواحنا وتتعافى أجسادنا وتسمو نفوسنا ونشعر بذوي الحاجة من الفقراء والمساكين وتشيع بيننا أسباب التعاضد والمودة والتآخي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: