Close ad

عبد السلام فاروق يكتب: تشانغ شيان.. ومفتاح الحياة

2-4-2022 | 13:25

(تشانغ شيان) هو بطل صيني قديم يُنسَب إليه الفضل في اكتشاف "طريق الحرير" القديم منذ نحو ألفي عامٍ مضت، أما "تشانغ شيان" الجديد، فهُم رؤساء الصين الثلاثة: (دنغ شياو بينغ) و(جيانغ زيمن)، و(شين جين بينغ).. هؤلاء أبطال طريق التجارة الجديد الذي سيفتح للعالم آفاقًا رحبة من التعاون المشترك.
 
ومصر في استقبالها للصين جعلت من مفتاح الحياة شعارًا اقتصاديًا لها، ما يعني أنها تدعو الصين وبلدان العالم لتحقيق التآلف والتقارب نُشدانًا لحياة الأمم ورخاء الشعوب.
 
مصر والصين كلتاهما تتمتعان بمواصفات جيوسوسيولوجية فريدة، فالصين لها جيرة من 14 دولة، وبها حوالي 56 مجموعة عرقية أكبرها مجموعة (هان) التي تمثل 92% من مجموع السكان. ولها 23 مقاطعة مع ضم تايوان، بالإضافة لخمس مناطق حكم ذاتي وأربع بلديات، هذا عن بر الصين الرئيسي الذي تضاف إليه مناطق الإدارة الخاصة: (هونغ كونغ، وماكاو). مصر كذلك تتمتع بموقع جغرافي متميز يجعلها تتوسط ثلاث قارات، وتطل على بحرين، وتعتبر مفتاحًا للقارتين الإفريقية والأوروبية بالنسبة لدول آسيا.
 
ترجع العلاقات المعاصرة بين الصين ومصر إلى أكثر من 80 عامًا، منذ عهد الملك فؤاد الذي أمر باستقبال بعثات الطلاب الصينيين للدراسة بالأزهر الشريف، وأهدى 400 نسخة من المخطوطات القيمة إلى مدرسة "تشنجدا" الإسلامية بالصين. 
 
وفي عهد الرئيس جمال عبدالناصر أيدت مصر حق الصين في استعادة مقعدها الدائم في الأمم المتحدة بعد تغير اسمها إلى "جمهورية الصين الشعبية"، وفي 30 مايو 1956 استقبل الرئيس المصري رئيس الوزراء الصيني "شو إن لي" وأصدرا معًا بيانًا مشتركًا لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والذي كان بمثابة المنعطف التاريخي الأهم على صعيد العلاقات بين البلدين.
 
 منذ ذلك الحين تصاعدت وتيرة العلاقات على كافة الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، حيث حمل الأزهر الشريف على عاتقه هَمَّ توطيد العلاقات الثقافية، خاصة مع بعثات الطلاب الصينيين الذين أتوا لتعلُّم العربية من مسلمي الصين، ومؤخرًا تم الاتفاق على حصول مصر على منحة سنوية توفرها الصين لعدد من الطلاب المصريين للدراسة هناك. 
 
وفي التسعينيات تم الاحتفال بإنشاء جمعية الصداقة الصينية المصرية في بكين، كما قام وزير الإذاعة والسينما والتلفزيون الصيني بزيارة مصر لتعزيز التعاون الإعلامي بين البلدين.
 
وخلال مطلع الألفية الجديدة تم توقيع برنامج تنفيذي للتعاون الثقافي المشترك بين مصر والصين خاصة في مجال الآثار وتبادل الخبرات في مجال ترميم الحفريات والمباني الأثرية؛ وهذا ما أدى إلى انتعاش سياحي بين البلدين، ففي عام 2002م تم الاتفاق على إدراج مصر كأفضل المقاصد السياحية للصينيين، ناهيك عن المهرجانات الثقافية والسينمائية في بكين والقاهرة والتي يتبادلان فيها الدعوة بطبيعة الحال.
 
 ورغم كل ما تم من تعاون دولي في مجالات الثقافة والتعليم والسياحة والفنون والإعلام، يبقَي هناك الكثير مما لم يتم تحقيقه بعد؛ خاصة في مجال التبادل الثقافي بين الشعوب، الأمر الذي يتطلب تعميقًا للعلاقات بشكل أكبر من وضعها الحالي الذي يمتاز بالتحفظ، فمن غير المعقول أن يكون هذا فقط هو حجم التبادل الثقافي بين أقدم حضارتين في التاريخ؛ فهناك الكثير مما لم يتم تحقيقه بعد، خاصةً في مجال الاقتصاد الثقافى، أي تبادل السلع الثقافية كاللوحات التشكيلية والإنتاج السينمائي والإعلامي، ما يتطلب محو العوائق وتذليل الصعاب من أجل هذا الهدف العظيم.
 
هذا وقد صدرت عدة مؤلفات بحثية ومطبوعات حكومية وخاصة تتناول مستقبل العلاقات بين البلدين، وتؤكد أن هناك مبشرات عظيمة وآفاق رحبة وآمال عريضة وطموحات هائلة تشي بأن القادم أفضل، من هذه المؤلفات كتاب السفير الدكتورمحمد نعمان: "العلاقات المصرية الصينية"، والذي يشير فيه لأهمية تعميق العلاقات بين البلدين، وأن بإمكان مصر تعظيم استفادتها للفرصة المتاحة المتمثلة في حماس الصين تجاه إفريقيا عمومًا ومصر خاصة، وأن تعميق التعاون من شأنه تمكين مصر من الاقتراب من تجربة الصين في الانفتاح الاقتصادي وفهم أبعادها وجوانبها، ما قد يؤدي إلى رفع طاقة مصر الصناعية والتكنولوجية بما يستوعب عددًا كبيرًا من العمالة ويساهم في حل مشكلة البطالة.
 
هذا يقودنا إلى أهم مشروع دعت إليه الصين أثناء مؤتمر الطريق والحزام 2017 في بكين واستضافت له مصر وعددًا من الدول الأخرى؛ فرغم أن مصر تنظر إلى المشروع باهتمام أقل من الصين، على اعتبار أنها دولة واحدة بين عشرات الدول التي يمر بها طريق الحرير، إلا أنه يمثل الركيزة الأهم لتعميق الصلات والروابط بين البلدين.
 
نحن في حاجة إلى (تشانغ شيان) مصري يعيد استكشاف الطريق الآسيوي الإفريقي من أجل تعظيم الاستفادة من هذا المشروع التجاري والاستثماري العملاق، ويفتح لمصر بمفتاح الحياة الفرعوني آفاقًا جديدة تنعش حياة المصريين الاقتصادية، هذا قد يحدث لو أدركت مصر دورها التاريخي والحضاري العريق، وكيف أنها تستطيع أن تلعب أدوارًا أعظم كبوَّابة كبري للتجارة الأفريقية والعالمية. ودورها كوسيط تجاري بين الصين من جهة وبين إفريقيا والعالم من جهة أخرى قد يتنامى ويتضخم بفضل طريق الحرير مئات المرات، وقد يتضاعف المردود الاقتصادي نتيجة لهذا عشرات الأضعاف، من خلال تنشيط السياحة والتجارة الخارجية وعمولات الوساطة التجارية إلى جانب فرص العلاقات الدبلوماسية بين مصر ودول العمق والجوار الإفريقي التي ستزداد حتمًا مع أي علاقة تجارية محتملة بفضل ما يمثله طريق الحرير من فرص اقتصادية هائلة.
 
إن العالم اليوم يمر بعدة متغيرات جيوسياسية واقتصادية تقتضي من مصر الانتباه إليها ومواكبتها. ومن أهم تلك المتغيرات تصاعد الدور السياسي والاقتصادي للصين صاحبة أعلي نمو اقتصادي في العالم، وصاحبة أكبر ميزانية تسليح في العالم بعد أمريكا وروسيا، هذا إلى جانب ثقلها السياسي كونها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن والمشهورة بدورها التاريخي الداعم لموقف الدول النامية في المجلس، وهي عضو في منظمة التجارة العالمية، وعضو مؤسِّس لمنظمة شانغهاي ومنظمة الآسيان ومنظمة التعاون للمحيط الهادي "إيبك، ما يعني أن تعميق العلاقات بين مصر والصين يعود على مصر بفوائد عدة على كافة الأصعدة الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية، ما يدعوني إلى إعادة الدعوة لاكتشاف آفاق جديدة للتعاون بين التنين الصيني والفرعون المصري حامل مفتاح الحياة.
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: