Close ad

د. خالد القاضي يكتب: حكمة تناوب الفصول في رمضان

1-4-2022 | 22:56

من أعظم مظاهر الحكمة الإلهية لشهر رمضان المعظم، ارتباط توقيته – كشهر هجري – مع حركة دوران الأرض حول الشمس، ومن ثم تناوب الفصول الأربعة (الشتاء – الربيع – الصيف – الخريف)، ذلك أن الشهر الهجري يتقدم عن الشهر الميلادي بمقدار 11 يومًا كل عام، والشهر الميلادي لا يكون إلا 30 أو 31 يومًا (عدا شهر فبراير 28 أو 29) وعدد السنة الميلادية 365 يومًا (وتكون 366 كل أربع سنوات حينما يكون فبراير 29 يومًا)، والشهر الهجري لا يكون إلا 29 أو 30 يومًا، وعدد أيام السنة الهجرية 354 يومًا و8 ساعات (فالسنة الهجرية لا تقل عن 354 يومًا ولا تزيد عن 355 يومًا)، ومن ثم تكون دورة الشهر الهجري مع الشهر الميلادي مقدارها 33 سنة ليأتي شهر رمضان في ذات موعده.
 
وينتشر الصائمون عبر مشارق الأرض ومغاربها في كل دول العالم تقريبًا، ومن ثم تتفاوت عدد ساعات صومهم، لتقترب أحيًانا من 23 ساعة، ووفقًا لتغطية أجراها موقع اليوم السابع العام الماضي 2021، حول ساعات الصيام في العالم، والدول الأكثر والأقل صومًا، تبين أن دولة "فنلندا" تعتبر الأكثر في عدد ساعات الصيام، حيث تبلغ 23 ساعة و5 دقائق، وبعدها تأتي السويد والنرويج وروسيا التي يبلغ عدد ساعات الصيام فيها 20 ساعة و45 دقيقة، في حين تتدرج عدد ساعات الصيام في دول أخرى لتبلغ أقصرها في أستراليا لتبلغ 11 ساعة و59 دقيقة، تليها الأرجنتين 12 ساعة و23 دقيقة ثم تشيلي 12 ساعة و41 دقيقة.
 
وهنا تتبدى مظاهر الحكمة الإلهية من تناوب الفصول في رمضان، فعند البعض أن من صام وعجز عن إتمام الصوم جاز له الفطر فإن شق عليه وجب عليه الفطر، وعليه القضاء في الأيام المناسبة، فإن لم يكن هناك ليل أو نهار كالقطب الشمالي أو الجنوبي الذي يظل الليل في أحدهما ستة أشهر ويكون الآخر نهارا ستة أشهر ؛ فهؤلاء الذين يقدرون له قدره بحسب أقرب بلد لهم أو بحسب مكة المكرمة، واستندوا في ذلك لقول الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتي يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ} ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" فقد علقت الآية كالحديث الصوم والإفطار بغروب الشمس وطلوعها، وصدق المولى عز وجل في قوله: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ".
 
وعبر سنوات حياتي (قرابة 55 عامًا).. وفقني المولى عز وجل لصيام رمضان منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، وكان أول يوم أصومه هو اليوم التالي لنصر أكتوبر المجيد في العاشر من رمضان 1393 هـ، الموافق للسادس من أكتوبر 1973، ولم أكن قد أكملت عامي السادس بعد، لإحساسي أن الصوم هو القوة الدافعة من الجنود لهذا النصر المؤزر، وحاولت إكمال صيام باقي الشهر، بيد أن توعية والدي لي – رحمه الله – بأن المولى فرض الصوم عند البلوغ حين يشتد ساعدك، وتقوي على الصوم، وعبر السنوات التالية وحتى سن البلوغ، وكل عام يقترب شهر رمضان من الشتاء، اتفقت مع والدي على صيام يوم وإفطار يوم، أو أحيانًا الصوم حتى الظهر مثلا، فوافقني على ذلك، ليؤكد حكمة التشريع الإلهي على أن الصوم لله تعالى، " إعمالا لحكمته الواردة في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
 
وتمضي سنوات الدراسة والعمل، ليأتي رمضان المبارك في مختلف فصول العام، وعبر دول العالم شمالًا وجنوبًا، وشرقًا وغربًا، وباختلاف كذلك ديانات وعقائد ومذاهب مع أشاركهم رمضان، وأثناء مهام دقيقة وأعمال شاقة للغاية، إلى الحد الذي كنتُ – ولا زلت – أواصل فجر يوم الصيام بمغربه، عاكفًا على دراستي أو عملي، ولا يغفل لي جفن، وأقتات من عزيمة الصوم، بل وأصر على إكمال المهام كاملة غير منقوصة، لا يحول بيني وبينها الإحساس بالجوع أو العطش، بل يكون هذا الإحساس محفز ودافع لي لنيل الثواب من الله سبحانه وتعالى، آملا خاشعًا خانعًا مستوثقًا بالوعد الإلهي: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
 
ولكن، ورغم كل هذا، تبقى حكمة الحكيم العفو الغفور من تناوب الفصول في شهر رمضان، لالتماس الأعذار، فتدعو للتأمل والتدبر لمعانيها السامية، ومبانيها السامقة، لتثبت في نفوس المسلمين المؤمنين الطائعين العابدين الناسكين، قمة معاني السمو بالنفس البشرية التواقة لنيل رضاه، وتجنب معاصيه، وكل ذلك في إطار من الرحمة بتلك النفس، مع الانصياع لموجبات الحكمة ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ).
 
رمضان كريم على الجميع.. وكل عام وجميع شعوب العالم في خير ووئام وسلام.
 
e-mail:[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
أول أكتوبر …

أول أكتوبر د. خالد القاضي يكتب: في أول أكتوبر تتزامن بدايات سنة قضائية - برلمانية - دراسية ، بعد انتهاء إجازات الصيف، لتتواصل مسيرة الوطن بعطاءاته

د. خالد القاضي يكتب: المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية

كان حُلمًا، فخاطرًا، فاحتمالًا.. ثم أضحى حقيقة لا خيالًا.. ذلك المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية حول النمو السكاني في مصر، الذي دشنه فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي أول أمس الإثنين 28 من فبراير 2022

د. خالد القاضي يكتب: المستشار بولس فهمي قدوة في العمل القضائي وحب الوطن

سنوات طويلة قضاها المستشار بولس فهمي الرئيس الجديد للمحكمة الدستورية العليا، في محراب النيابة العامة والقضاء، وهو ما أتاح لأجيال متتالية من أعضاء النيابة

د. خالد القاضي يكتب: وسام الاستحقاق للمستشار سعيد مرعي

في تقليد رئاسي رفيع، لرؤساء الجهات والهيئات القضائية عند تقاعدهم، يمنحون وسام الجمهورية، وفقًا لقانون الأوسمة والأنواط المدنية الصادر بالقانون رقم 12 لسنة

د. خالد القاضي يكتب: شاهد على معرض القاهرة الدولي للكتاب

من الأحداث الجوهرية في حياتي ارتباط مولدي عام 1967، ببداية التفكير في تظاهرة ثقافية عالمية للكتاب تقام على أرض الكنانة مصرنا الغالية، وفي قلب قاهرة المعز

د.خالد القاضي يكتب: ذكرياتي في عيد الميلاد المجيد

نحتفل نحن المصريين جميعًا هذه الأيام مع مليارات البشر حول العالم - بعيد الميلاد المجيد، وهو العيد رقم 2022، وتتداعى إلى ذاكرتي مواقف ومشاهد عديدة كنتُ

القانون يحمي المغفلين .. (أحيانا!!)

يعتقد البعض أن مقولة القاضي الأمريكي (القانون لا يحمي المغفلين) قاعدة قانونية، أو فوق القوانين، والحقيقة غير ذلك تمامًا، فلا تعدو أن تكون تلك المقولة

د. خالد القاضي يكتب: الطوارئ (حالة استثنائية)

الطوارئ هي حالة استثنائية، لمواجهة أخطار تُعرّض مصر أو مناطق منها إلى الخطر، وهو تدبير موقوت بمدة زمنية محددة، ويستمد شرعيته من الدستور والقانون، يُمنح