Close ad

د. رضا عوض يكتب: جذور الأزمة الروسية الأوكرانية

19-3-2022 | 18:08

على مدى أشهر، ورغم أن روسيا نشرت حوالي 130 ألف جندي، مجهزين بكامل العتاد من الدبابات والمدفعية والذخيرة والقوة الجوية الجبارة، بالقرب من الحدود الأوكرانية، نفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التخطيط لغزو أوكرانيا. 
 
وقبل لحظات من بدء العملية العسكرية، ظهر الرئيس بوتين على شاشة التلفزيون معلنًا أن روسيا لا تستطيع أن تشعر "بالأمان والتطور" بسبب ما وصفه بالتهديد المستمر من أوكرانيا الحديثة، وفجأة أطلقت روسيا هجومًا جوًا وبرًا وبحرًا مدمرًا على أوكرانيا، الذي يبلغ عدد سكانها 44 مليون نسمة، وأرسل قواته عبر الحدود إلى المناطق الشمالية والشرقية والجنوبية من أوكرانيا إلى العاصمة كييف، وليس فقط إلى الولايات الانفصالية في شرق أوكرانيا لدعمها، ولكن لإخضاع أوكرانيا بأكملها لتبقى تحت النفوذ الروسي.. وأعتقد أن هذا هو الهدف الرئيسي الذي يصبو إليه الرئيس بوتن، وليس بسبب أن ضم أوكرانيا إلى حلف الناتو يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن روسيا.
 
فروسيا تمتلك من القوة العسكرية ما يضمن سلامتها من أي هجوم عليها، كما أن هناك دول البلطيق (استونيا ولاتفيا وليتوانيا) لها حدود مشتركة مع روسيا وهم أعضاء بحلف الناتو، ولم تأخذ روسيا ضدهم أي إجراءات عند انضمامها لحلف الناتو، ولكن أوكرانيا لها وضع آخر في نظر الرئيس بوتين ولابد من معرفة ملخص عن مسيرته وعلى الحياة السياسية والشخصية له لمعرفة سبب خوض الرئيس بوتين هذه الحرب.
 
فقد نشأ فلاديمير بوتين في مجمع سكني بمنطقة سكنية تتسم بالعنف في مدينة لينينجراد -التي أصبحت فيما بعد سانت بطرسبرج- بدأ مسار بوتين السياسي في أوائل التسعينيات، عندما عمل كأحد كبار مساعدي أناتولي سوبتشاك، عمدة سانت بطرسبرج آنذاك، والذي كان قبل ذلك أحد أساتذة بوتين في الجامعة، وفي عام 1997، دخل بوتين الكرملين كمدير لوكالة الأمن الفدرالية "إف. إس. بي" (وهي الوكالة الرئيسية التي حلت محل الكي جي بي)، وسرعان ما عُين رئيسًا للوزراء، وفي ليلة رأس السنة عام 1999، تنحى الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين عن منصبه وعين بوتين رئيسًا بالإنابة، ومكث بوتين في السلطة منذ ذلك الحين، وصار الآن أطول زعيم روسي بقاء في سدة الحكم منذ الديكتاتور السوفيتي جوزيف ستالين الذي توفي في عام 1953.
 
اتسم حكم الرئيس بوتين بالقومية الروسية المحافظة، وبه أصداء قوية لحكم القياصرة الديكتاتوري، وصف بوتين انهيار الاتحاد السوفيتي بأنه "أكبر كارثة جيوسياسية خلال القرن (العشرين)"، ومنذ توليه السلطة بدأ فى اتخاذ القرارات التي تعيد لروسيا هيبتها وقوتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
 
فأعاد بوتين العروض العسكرية التي تتسم بالأبهة والعظمة كتلك التي كانت تتم خلال الحقبة السوفيتية، وبدأ هجومه العسكري على المتمردين الانفصاليين في الشيشان، الذي استمر بين عامي 1999 و2000، دمر جمهورية الشيشان الواقعة في شمال منطقة القوقاز، وكانت جورجيا بؤرة ساخنة أخرى بالنسبة إلى بوتين، ففي عام 2008، طردت قواته الجيش الجورجي من إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الانفصاليين، ثم بدأ بوتين يوجه نظره إلى أوكرانيا فهي ذات الجذور الراسخة.
 
في التاريخ الحضاري الثقافي لروسيا الأرثوذكسية، فتاريخ روسيا يبدأ بتاريخ السلاف الشرقيين وتكوين (روس الكييفية) بين القرنين التاسع والحادي عشر، واستقروا في مناطق عديدة بين بيلاروسيا الحديثة وروسيا وأوكرانيا، وكانت كييف (عاصمة أوكرانيا الآن) أهم المدن فى هذا الاتحاد، وفي العصر الحديث وبعد اندلاع الثورة الروسية في عام 1917.
 
وفي عام 1922، وقعت روسيا السوفيتية، إلى جانب أوكرانيا السوفيتية وبيلاروسيا السوفيتية والاتحاد السوفياتي عبر القوقاز، معاهدة إنشاء اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، التي دمجت رسميًا جميع الجمهوريات الأربع لتشكيل الاتحاد السوفيتي كدولة، بين عامي 1922 و1991، فالرئيس بوتين يعتبر أوكرانيا جزءًا من منطقة النفوذ الروسي، ففي عام 2014، انتزعت روسيا السيطرة على الأراضي الأوكرانية في شبه جزيرة القرم، كما دعمت روسيا القوات الانفصالية التي تحارب في منطقتي دونباس ولوهانسك الشرقيتين واللتين أعلنتا من جانب واحد قيام ما سمتهما جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين. 
 
وفى شهر يوليو من العام الماضي نشر الرئيس بوتين مقالا طويلا من أكثر من ستة آلاف كلمة، بعنوان «الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين». لم يكن هذا مقالا في السياسة بقدر ما كان بحثًا في التاريخ والثقافة والهوية لإثبات الروابط القوية التاريخية والحضارية التي تربط روسيا وأوكرانيا.
 
وأيضًا في الخطاب الذي ألقاه قبل ثلاثة أيام من بدء الحرب في أوكرانيا تحدث الرئيس بوتين عن الأمن وتهديدات حلف الأطلنطي، وتحدث أيضًا عن الروابط التاريخية، وتصحيح أخطاء ارتكبها حكام وأنظمة سابقون.
 
كل هذه الشواهد تؤكد إصرار الرئيس بوتين على إعادة فرض النفوذ الروسي في جارته الأوكرانية، وصناعة تاريخ جديد للدولة الروسية.
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أستاذ بكلية طب الأزهر

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. رضا عوض يكتب: عيد تحرير وتنمية سيناء

اليوم يمر أربعون عامًا على تحرير سيناء الحبيبه، أرض الفيروز، بوابة مصر الشرقية وأمنها وعمقها الإستراتيجي، والرباط التاريخي بين مصر وأشقائها العرب، صاحبة

الأكثر قراءة