Close ad

د. حسام الإمام يكتب: حدث بالفعل.. الملك نصاب

21-3-2022 | 10:07

أثناء رحلتى إلى مقر عملى بشارع مراد بالجيزة تعودت أن أسير بعض الدقائق مترجلًا كنوع من الرياضة، وخلال تلك الفترة كنت قد اعتدت الذهاب إلى العمل مرتديًا بدلة "كاملة".

فى أحد الأيام فوجئت بصوت يستوقفني مناديًا "لو سمحت حضرتك محامي.. صح.. حضرتك محامي؟" لم أتعجب من سؤاله فقد كان المكان قريبًا من محكمة الجيزة ومن الطبيعي أن يرتاده بعض الزملاء المحامين في طريقهم إلى عملهم، التفت لأرى المتحدث، فوجدت نفسي وقد تسمرت في مكاني، رجل ذو وجه دائري أحمر اللون ذو نكهة أوروبية وعينان زرقاوان خلف نظارة مستديرة تبدو غالية الثمن، وشارب "باشاواتي" وملابس تدل على رقي ذوق صاحبها، الملك فاروق بشحمه ولحمه يقف أمامي، لدرجة، ولا أبالغ حين أقول إنني عندما التفت إليه لم أستطع الرد فورًا من هول الدهشة والمفاجأة.

لكنه لم ينتظر مني ردًا وأعاد على مسامعى نفس السؤال "حضرتك محامى.. حضرتك محامى" فقلت له بمنتهى الأدب "الحقيقة أنا مش محامى.. لكن خير.. فيه إيه؟" فوجئت بالملك، أقصد الرجل وقد وضع وجهه بين كفيه ليخفى دموعًا تكاد تنذرف من عينيه وقال "أنا آسف.. أنا آسف.. أنا آسف" قلت له "خير يا فندم.. ليه آسف؟ حصل إيه؟" قال "أنا محامى من الإسكندرية.. وأخرج كارنيه لم أتبين ملامحه ثم وضعه فى جيبه سريعًا.. أنا للأسف فلوسى كلها اتسرقت منى ومفيش معايا ولا جنيه علشان ارجع بلدى.. ثم بدأ مرة أخرى فى ترديد عبارة أنا آسف.. أنا آسف.

بمنتهى الصراحة شكل الرجل ومظهره كان يستوجب منى ألا أعطيه أقل من ألف جنيه مثلًا، لكن للأسف لم يكن هذا ممكنًا، مددت يدى فى جيبى وأخرجت عشرين جنيهًا – كانت كافيه فى ذلك الوقت لعودته إلى بلدته "وقلت له معتذرًا" أنا آسف جدًا.. للأسف مش هاقدر أساعد حضرتك فى الموقف المؤسف ده بأكتر من كده".

لكن الرجل بمنتهى الشياكة قال لى "أنا اشكرك ده أكتر من اللازم.. ألف شكر.. ألف شكر.. ممكن تاخذ رقم تليفونى علشان أرد لك المبلغ فى أقرب فرصة؟ قلت له: العفو يا فندم.. دى حاجة بسيطة.. اعتبرها عربون صداقة.. فرصة سعيدة.. وتركته وذهبت إلى عملى.

واثناء سيرى لم استطع أن أمنع نفسى من الالتفات مرة أخرى لأرى ما يمكن أن تفعله الظروف بالإنسان، ماذا يحدث إذا وضعتنى الظروف فى نفس الموقف؟ هل سوف أجد من يعيننى؟ موقف صعب حمدت الله على عدم حدوثه معى ورجوته ألا تضعنى الظروف فى وضع مشابه.

بعد أسبوع بالتمام والكمال، وأثناء نفس الرحلة اليومية إلى مقر العمل وفى نفس المكان، سمعت صوتًا ينادينى "لو سمحت.. حضرتك محامى.. حضرتك محامى ؟" ولأن شكل الرجل المطابق للملك فاروق رحمة الله عليه لم يكن من السهل نسيانه، كان الموقف كله بكلماته وعباراته ما زال عالقًا فى ذهنى، لدرجة أننى لم أحتج إلى الالتفات لأرى من يحدثنى، فقد عرفت فورًا أنه نفس الشخص.

لكن المفاجأة والدهشة جعلتنى للحظة أكذب نفسى، مستحيل أن يكون هو نفس الشخص! معنى ذلك أن هذا الرجل ذو الوجه الملوكى نصاب! والحق أقول إننى لا أدرى كيف تشكل رد فعلى بهذه السرعة، التفت إليه لأجده بالفعل نفس الشخص يتحدث بنفس الكلمات "حضرتك محامى.. صح.. حضرتك محامى؟" لم أتحدث، لكنه بخبرته فى هذا المجال قد أدرك فورًا من نظرة عينى التى تحمل ابتسامة الشماتة فيه وكأنها تقول "عيب عليك.. خلاص انكشفت".

أدرك أننى أعرفه، توجهت إليه وقلت له هذه المرة "أيوه أنا محامى.. تحت أمرك"، ظهرت على وجهه علامات الاضطراب واضحة وتوهج وجهه حمرة، وتحدث متلعثمًا "أنا كنت عايز أروح جامعة القاهرة ومش عارف الطريق"، ابتسمت قائلًا "تحت أمرك"، ومددت له يدى بالسلام وما أن مد يده حتى قبضت عليها بشدة ووضعتها تحت إبطى، صرخ بعصبية "فيه إيه يا استاذ؟"، فقلت له بهدوء شديد "على فكرة.. أنا ليا عندك عشرين جنيه من الأسبوع إللى فات".

وبدون كلمة واحدة مد الرجل يده فى جيبه وأخرج عشرين جنيهًا ووضعها فى يدى، قلت له شكرًا وأنا ما زلت قابضًا على يده التى حاول أن يفلتها منى دون جدوى، إلى أن جذبها بشدة وجرى مبتعدًا، فقلت له: "رايح فين حضرتك.. أنا كنت هاوصلك إلى جامعة القاهرة ".. رمقنى بنظرة لا أنساها وكأنه يقول "منك لله قطعت عيشى".

كلمات البحث
الأكثر قراءة