Close ad

عماد رحيم يكتب: "أنا آسف" (1-3)

17-3-2022 | 15:04

وأنا في طريقي للعمل صباح أمس؛ صادفت مشهدًا غريبًا؛ قد يكون تكرر مرات كثيرة؛ ولكن غرابته في تفاصيله؛ سيارتين تصادف مواجهتهما؛ بسبب ظروف الطريق؛ انتظرت إحداها حتى تتمكن الأخرى من ضبط سيرها؛ إلا أن المفاجأة كانت في استمرار سير الثانية؛ حتى صدمت الأولى.

نزل صاحب السيارة المصدومة وهو في قمة الانزعاج؛ وهذا أمر طبيعي؛ ولكن الغريب كما ذكرت؛ كان في رد فعل الصادم؛ الذي برر فعلته بأن سيارته تسير بدون وجود فرامل!!

دون أن يترجل من سيارته؛ باعتبار أن ذلك وضع طبيعي؛ وأن على المصدوم التعامل بتلك البينة؛ انتظرت لأُشاهد الواقعة؛ بسبب رد فعل صاحب السيارة المتسببة في الحادث؛ الذي أصر على موقفه؛ و أكمل سيره دون أي انزعاج على الإطلاق.

أما الرجل الآخر؛ ظل متوترًا لبرهة من الوقت؛ ثم انصرف مستاءً؛ وكما قولت هي حادثة تتكرر كثيرًا؛ ولكن تفاصيلها نادرة؛  تلفت الانتباه تماما؛ فهناك سلوك جديد؛ عجيب وغريب؛ مغلف باللامبالاة؛ بدأ يتسرب إلى نفوس بعض الناس؛ كما بدأ ينتشر رويدا رويدا؛ بشكل مستفز.

وباتت ثقافة الاعتذار؛ وتقديمه من خلال الأسف شيئًا نادرًا؛ وكأنه من الأحلام بعيدة المنال؛ وبت لا أعرف هل الاعتذار يقلل من قدر المعتذر؛ أم يضيف له؟

في الحقيقة الاعتذار قيمة غالية ومهمة لأي مجتمع؛ ترسخ لفكرة الاحترام المتبادل بين ناسه وأهله؛ لأنه يعمل على حفظ وصيانة الحقوق فيما بينهم؛ وبالتالي العكس صحيح.

إن ما يحدث خلاف لذلك فهو يؤشر لظهور الغلول على الحقوق؛ وهو أمر خطير للغاية؛ ليس لأنه يحولنا لعشوائيين؛ وما يخلفه ذلك من هدر للقيم؛ ولكن لما سيؤدي إليه ذلك مستقبلا.

فسنجد بين عشية وضحاها أُناسًا تدثروا بعباءة البلطجة والفتونة؛ يأخذون ما ليس لهم وقتما يريدون؛ وينتهي النظام؛ ويتحول الواقع لغابة كما غابة الحيوانات؛ البقاء فيها للأقوى فقط.

منذ عدة سنوات؛ كان ابني الأصغر في صفوفه الدراسية الأولى؛ وكنت ذاهبًا إليه لأُشاهد مباراة في كرة القدم بينه وبين زملائه؛ لشد أزره وتشجيعه؛ وحدث أمر في غاية الغرابة؛ احتك اثنان من التلاميذ ببعضهما بسبب سير المباراة؛ وكان الاحتكاك غير مقصود من الطرفين؛ ونتيجته سقط أحدهم؛ وكان أبوه حاضرًا.

ولبراءة الأولاد؛ قاما واكتملت المباراة بشكل طبيعي؛ ولكن المفاجأة كانت في رد فعل والد الذي سقط؛ حيث أشار لنجله بالحضور إليه؛ ونبه عليه؛ أن يوجه ضربة ساحقة ماحقة؛ لزميله الذي أسقطه أرضًا.

ذهب الولد؛ ولمدة دقائق لم يستطع أن يفعل ما أمره به والده؛ وأنا أشاهد عن كثب؛ ما يحدث؛ ولأن فطرة الولد سليمة؛ وكان فعله سليم؛ ولم يؤذ زميله؛ أو لم يقدر على ذلك؛ وبعد انتهاء المباراة؛ حاول الوالد أن يحث نجله على الذهاب لزميله لضربه.

وعند تدخلي نالني هجوم شرس للغاية؛ ومن لطف الله؛ اختفى الولد المقصود أثناء الحوار؛ فزاد الهجوم علي؛ حتى وصل الأمر لإدارة المدرسة؛ التي أنهت الجدل بالتهديد بفصل الطالب؛ لو استمر تعنت والده!

ولا أعرف ما حدث بعد ذلك؛ ولكني تيقنت أننا ندمر أبناءنا بقصد؛ دون أن نعي أننا كذلك نخرج للمجتمع مواطنين غير أسوياء؛ قد لا تكون تلك الحالة مقياسًا؛ ولكن ما أشاهده منذ فترة جدير بالتوقف؛ حالات التنمر والتحفز في ازدياد؛ دون مبرر.

أيضًا حالات التمادي في ارتكاب الخطأ في ازدياد؛ دون معرفة السبب؛ أضحى "الأسف" ثقافة تندثر؛ وفق مفهوم أن "الأسف" يعبر عن ضعف؛ وفي الحقيقة هو قمة الرقي ويعبر عن أقصى درجات القوة؛ وبالتالي فالعكس صحيح.

تقديم "الأسف" يعني في الواقع ثقة بالنفس؛ كما يقدس الاحترام بين الناس؛ وأضحى من يقولون أنا "آسف" نادرين؛ فهل من مبرر؟

وللحديث بقية نستكملها في المقال القادم.

،،، والله من وراء القصد

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الرحمة

أيام قلائل ويهل علينا شهر رمضان المبارك؛ وأجد أنه من المناسب أن أتحدث عن عبادة من أفضل العبادات تقربًا لله عز وجل؛ لاسيما أننا خٌلقنا لنعبده؛ وعلينا التقرب لله بتحري ما يرضيه والبعد عن ما يغضبه.