Close ad

عبدالسلام فاروق يكتب: أعداء الأدب

12-3-2022 | 13:33
هناك ما يدعى بـ"الميتاسَرد"، وهو يمتّ بصلة قرابة لما يدعى "الميتافيزيقا"! وصدقوني لا أقصد التهكم، الملل العتيد هو السبب في أن هناك موضة حديثة تغزو العالم كل يوم في كل مجال حتى الأدب، والسيرياليزم في الرسم، واكَبته "الوجودية" في الفلسفة، و"التجريبية" في المسرح، و"الرمزية" في الرواية، و"الحداثة" في الشعر.


 


المهم عند الحَداثيين الجُدد هو هجر عالم الواقع إلى عوالم الخيال والوهم، وهجر المباشرة إلى الالتفاف والتقعر والتحودب، وهجر التقليدية والكلاسيكية إلى المبالغة والتغريب، وهجر الوعي والإدراك إلى عالم اللاوعي واللامعقول، وهجر اللمسة الإنسانية إلى الفضاء الكوني وعوالم ما وراء الحجب!


 


العجيب في الأمر هو أن تتحول تلك "الموضة" إلى واقع أوحد ثقيل يفرض نفسه على كافة الساحات الأدبية كاتجاه يتيم منفرد لا بد أن تسايره وتواكبه وإلا صرت خارج الزمن!


 


الغرب يتجه نحو (ما بعد العولمة)، إذن ينبغي أن نتبعهم، ثم نتّهم كل من يكتب خارج هذين القوسين بأنه "لا منتمي" ولا يمكن قبول أعماله في لجان التقييم وجوائز الدولة.


 


وإذا كانت هذه "الحيلة" هي طريقتهم التي أرادوا بها ترويض الأدب ليصير بلا ظهير شعبي، فقد نجحوا نجاحًا منقطع النظير.


 


التقعر هو عدو الشعب رقم واحد، والتفلسف يصيب رجل الشارع بالمغص والإسهال الحاد.


 


الكلمة عند رجل الشارع العادي هي: "ما قل ودل".. والبلاغة عند البلاغيين هي: "ما قل ودل".. فأين الخلاف؟!!


 


في مسار الشعراء والأدباء طالما حدثت تحولات في المواقف والآراء والاتجاهات، إما بسبب ظرف سياسي أو اجتماعي أو فكري، مثل (المازني) الذي هجر الشعر إلى السرد الساخر، و(العقاد) الذي هجر الرواية والشعر إلى المقال والبحث والفكر، وسائر الأدباء الأطباء الذين هجروا الطب كليًا أو جزئيًا إلى الأدب. مثل (إبراهيم ناجي)، و(يوسف إدريس) و(مصطفي محمود) و(أحمد خالد توفيق) و(نبيل فاروق) و(محمد المخزنجي) و(المنسي قنديل).. وغيرهم كثير.


 


لكن هناك تحول آخر يقرر فيه الشاعر أن يهجر عناده السياسي ويهجع ويستنيم للشعر الناعم الذي لا شوك له، وهكذا يتم تقليم أظلاف الشعر ذو الأنياب والمخالب. كما حدث مع "بيرم".


 


وعن الفارق بين (الأبنودي) و(الفاجومي) في مسارهما الأدبي والسياسي، يحدثنا الروائي الراحل: (د/ أحمد خالد توفيق)، قائلًا: (لا شك أن الأبنودي تحدى الحكومات كثيرًا جدًا وأخرج لها لسانه مرارًا) (.. تأمل هذا المقطع: "إيه باقي تاني علشان تبقي عليه؟ وطنك؟ متباع؟ سرك؟ متذاع؟.. الدنيا حويطة وانت بتاع"، أو هذا المقطع: "واحنا ولاد الكلب الشعب. إحنا بتوع الأجمل وطريقه الصعب.. والضرب ببوز الجزمة وبسن الكعب.. والموت في الحرب). لكن الأبنودي كذلك هو الذي كتب الكثير من أوبريتات الشرطة. هكذا ندرك أنه شاعر موهوب لكنه شديد الذكاء وليس هو "الفاجومى". الفاجومي حسب تعريف (أحمد فؤاد نجم) هو الجدع المندفع الأحمق الذي يضرب رأسه في الجدار دائمًا.. هنا ندرك مدى ذكاء الأبنودي.. لقد استطاع دومًا أن يبقى على مسافة معقولة من السلطة، فلم يتهمه أحد بأنه من شعراء السلطان، وفي الوقت نفسه لم يصطدم بها إلى درجة أن يقضي حياته في السجن أو يفلس).


 


معنى هذا أن من بين التحولات المحتملة في مسيرة الشعراء أن يقدموا تنازلات وتضحيات. كأن يكتب شاعر الفصحى المعتز بفصحاه أغاني شعبية ليطعم أهل بيته، أو يضطر الشاعر لممالأة السلطة ليدَعوه يكتب ما ليس بسياسة، أو يضطر لهجر الشعر برمته لأنه لا يكسب من ورائه إلا التعب والهم، هكذا يتم ترويض الشعر والشعراء، بإهمالهم وتجاهلهم حتى يرفعوا راية التسليم ويهجروا الأدب إلى ما ليس بأدب.


 


[email protected]               

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: