راديو الاهرام

محمود أبوحبيب يكتب: وصفة العطار

10-3-2022 | 18:05

في رحلتي المعتادة عبر قطار الصعيد ذهابًا إيابًا من وإلى العاصمة، أجد من المواقف ما يٌدهشني، لكن هذه المرة كان موقفًا بنكهة الأعشاب، بدأ الحديث مغلقًا بين رجلين أحدهما عطار، لكن سرعان ما تسرب حديثهما للجميع، فأعرتهما مسامعي ليس تصنتًا، وإنما صوتهما الأجش هو الذي اخترق أذني، حديث تشتم منه رائحة البكاء على العطب الذي أصاب بعض ضمائر التجار والسوس الذي سرى في ذممهم، وكيف يمزج أحدهم الكراوية بالكمون، أو يخلط نشارة الأخشاب على بعض الأعشاب، أو المكرونة المحمصة على الفلفل المطحون، وظل الرجل يسرد حتى انتهت الرحلة ولم ينته حديثه، وودت لو قطعت معه رحلة العودة لكي أتقي غش بقية ما على أرفف العطار.
 
تركت الرجل لكن بقيت وصفته عالقة في ذهني، وكما تعلمون وصفة العطار لا تخيب، فهي مجربة ومفعولها سحري، خاصةً في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار "هي الناس هتلاقيها منين ولا منين"، وتساءلت ونحن مقبلون على رمضان، هل يعلم هؤلاء التجار أنهم قبل أن يغشوا السلع التي يبيعونها أنهم يغشون صيامهم؟!!، هل لدى هؤلاء أو غيرهم فكرة؟ أن من يغش تجارته أو مهنته أو دراسته فقد غش صيامه، ومن قبله دينه، لأنه كما قال رسول الله ﷺ "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له"، هل الغش بات طريقًا للرزق؟ أسئلة إجابتها، تعكس خللًا داخل نفوس الكثيرين، وإن كنا في حاجة ماسة إلى تفعيل القوانين التي تجابه هذا الغش أو استغلال حاجة الناس الضرورية للسلع، لكن هل هذا كافٍ؟ الحقيقة أننا نحتاج تقييدًا لوازع الغش داخل النفس، خاصة أنه لو اجتمعت كل قوانين الدنيا لن تحدث معشار ما تحدثه المراقبة الذاتية خوفًا من الله.
 
العطار الذي قطع المسافة من الصعيد إلى العاصمة ليتخير جودة السلع استعدادًا لشهر رمضان، هي وصفة لكل الراغبين أن يتموا رمضان وأن يتمموا دينهم، وبشكل آخر هي نوع من العلاج المجتمعي لظواهر مثل الحقد والكراهية والسرقة، التي تتغذى على عدم توافر السلع أو غلائها في بعض الأحيان، فضلًا عن غشها، فكل تاجر أو موظف أو طالب أو مسئول يجب أن يعلم أنه مسـتأمن على ما أقيم فيه، وقبل أن يكون ما في يديه هو سبيله للرزق فهو أمانة أمام الله قبل الناس. 
 
الوصفة التي وصفها الرجل بفطرته كفيلة أن تحفظ للمجتمع أمانه قبل أمانته، و ياليت الناس يعلمون ما في رمضان من دروس وما فيه من خيرات، فنفحاته الروحية تفوق خيراته الحسية التي انشغل الكثير بها فتناسوا الهدف من الصيام، وهو الذي قال عنه النبي ﷺ "لو علمت أمتي ما رمضان لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان"، الحالة التي يكون عليها الصائم الحق هي الحالة التي يجب أن يكون عليها المسلم من حفظ لسانه وحفظ أمانه وأمانته، ومن أراد أن يكون عامه كله رمضان فليرابط على هذه الحالة وإلا لن تفلح معه وصفة ألف عطار.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
محمود أبوحبيب يكتب: عندما يُهان الفن!!

المجتمعات على اتساعها وغزارة مكوناتها وتباين ثقافاتها وأفكارها، بالنسبة للفنان لا تعدو كونها حجرةً صغيرةً يجول فيها بفكره ويتمدَّد فيها ببصره، يُحاكى

محمود أبوحبيب يكتب: سر الرقم 6 ونكسة تل أبيب

الحرية لا تُباع ولا تُشترى.. تلك افتتاحيتي لمعرض الحديث عن القضية التي سطرت كلماتي فخرًا لمناقشتها، فالفكرة الهوليوودية التي استخدمها فلسطينيون ستة؛ لانتزاع

عشية لقاء الرئيس..

هي.. الصدفة لا غيرها التي جعلت من ساق القدر إليه موكب الرئيس ينسى همومه وأوجاعه؛ ليكون أخر عهده بها هو لقاءه الرئيس الذي أمسك بيده وخطى به نحو مأموله،

كأنها السبع السمان يا مصر

تستطيع أن تصفني بما تشاء، لكن عندما أغازل مصر لا تستطيع أن تُنكر ما أقوله في حقها، هي محاولة مني أن أصف جمالها - وليتني أستطيع - أصبحت مصر بعد سنوات تجاوزت

هذه أمي وأمهاتكم

كتب خلق كثير وسيظل يكتب آخرون، لكن مهما تساقطت كلماتهم وجفت صحفهم ونفد مدادهم سيظل ما كتبوه قليلًا من كثير تستحقه الأم، ومهما نُسجت من ألحان الموسيقى سيمفونيات

مصر الرقمية بلا رشوة ولا محسوبية

إطلاق الحكومة المصرية لـ"بوابة مصر الرقمية"، نستطيع القول بأن الخدمات التي يحصل ‏عليها المواطن قد خرجت من العناية المركزة بعد أن كانت تحتضر، إلى حياة

بيروت .. إلى أين .. ؟

يعجز اللسانُ عن الحديث عما حلّ ببيروت، هذه المدينة الساحرة التي هوى إليها خيال الشعراء متغنين بجمالها وسحرها، ويتحسّر القلب لأنين شعبها المعهود بالكرم

الإمام الطيب .. والأيام العجاف

ما كان ليصمت وقت أن اشتد الوجع، وزاد الألم، في وقت اشتغل فيه الجميع بالأزمات الطاحنة، التي باتت الشغل الشاغل، ليس لدولته فقط، بل لعالمه، من ظهور فيروس"كورونا"،

الطبيب الإنسان

ابن مصر "السير مجدي يعقوب" واحد من أهم جراحي القلب في العالم، إنجازاته جعلت اسمه على عناوين كتب الطب في معظم جامعات العالم، وإنسانيته جعلت القلوب تنبض

الطفولة ومخاطر التطور الرقمي في عالمنا المعاصر

الأطفال هم ثروات الأمم، والكنز الدفين لها، والبذرة الخصبة لغدها المشرق، هذا الكائن الرقيق الذي تتجلى فيه فطرة الله النقية، والذي كلفنا برعايته والحفاظ

الأكثر قراءة