Close ad

حسين خيري يكتب: لا يعيب جهله بالشوكة والسكينة

8-3-2022 | 12:12

الهمجيون لفظ أطلقه الأمريكان على الهنود الحمر، لكونهم متخلفين وغير متحضرين، والبدائي وصف يقولونه صناع الحضارة الحديثة على الإنسان الذي لم تصله أدوات وفكر النهضة العلمية والثقافية، وتتطابق البدائية مع مفهوم الإنسان الحجري.
 
ويلصق الناس وصف بدائي بكل شخص تتنافى أفعاله مع السلوكيات الراقية، وبمعنى آخر ارتبطت البدائية في الأذهان بالمستويات الدنيا من الأخلاق الإنسانية، التي تتشابه مع ممارسات الحيوانات.
 
ولكنني على النقيض مع المؤمنين بهذه الرؤية، وانضم إلى فريق المؤرخين المنصفين للشعوب الأولى، أو كما يطلق عليها الفريق الآخر البدائية والهمجية والبربرية، والإنسان القديم كان مضطرًا للتعامل بقسوة مع مفردات الطبيعة الوعرة بأدوات بسيطة، وتفرض عليه استعمال القوة والوحشية، حتى يتمكن من العيش في العراء، ولو أستسلم لكتب نهاية للبشرية على الأرض.
 
وبرغم ما انطبع عن البدائي في مخيلتنا، فقد ترك فنونا على الجدران، وترك آثارًا تعبر عن صموده، وسجل عليها محطات عن تطور أدائه وثقافته، وتعد البدائية واحدة من أهم مراحل تدرج الفكر البشري.
 
ولا غرابة لمن كان ينحت في الجبل بأظافره الطويلة، ويقتل شخصًا غار على كهفه، ولم يطبق على الجاني أحكام البشر في العصور المتقدمة ويسجنه، ولم يدرك وقتها سوى قانون الغاب، ولم يتوسع في استخدامه.
 
وما القول في إنسان العصر الحديث قاتل الشعوب؟ وفي المقابل البدائي كان يقتل فريسة واحدة ليعيش عليها أيامًا، وإنسان العصر الحديث يجيد لغة إبادة فريسته والمحيطين بها من شجر وأطفال، ويقتل ألف مرة في اليوم الواحد، وتسقط حروبه ملايين الضحايا.
 
وليس عيبًا أن الإنسان البدائي لا يعرف كيفية استخدام الشوكة والسكينة في تناول طعامه، واقتضت قسوة ظروفه تكيفه مع نمط الحياة حينها، وبفضل نضاله على مدار قرون مهد البدائي أرضية راسخة لبناء حضارات متتالية، ينعم فيها الإنسان برفاهية العيش، وينتهك الطبيعة وأرواح البشر بضغط من أصبعه على زر.
 
والتخلف مرآة تعكس الكراهية والعنصرية والجهل، وحياة الغاب تعبر عن سلوك حيواني غاب عنه العقل، وأمامها الإنسانية تجسد فكر إنسان تحرر من التوحش والجاهلية، وتجعله إنسانًا يحيا بالإنسانية قولًا وفعلًا، ويرى علماء النفس أن الوحوش الإنسانية يؤمنون بأنهم منقذو البشرية من أخطار محدقة بها لا يراها سواهم، وهؤلاء أشبه بإنسان تحول إلى قنبلة موقوتة.
 
ولذا كانت العقائد السماوية الوسيلة الناجعة في سمو الإنسان والرقي بسلوكياته، وتوجهه نحو الأفضل، أو تمهد له الطريق للمدينة الفاضلة، أما حين انحرف عن مسار عقيدته الإلهية كان الإنسان الوحش.

Email: [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة