Close ad

د. شيرين الملواني تكتب: "عن رُهاب الشعوب"

7-3-2022 | 13:07

إذا ما صادف مواطن فرنسي آخر ألمانيًا في شوارع باريس، ستجد عدم ترحاب وتحفز بين الطرفين عند التعامل فيما بينهما، أما إذا تحاورت مع فرنسي سياسيًا وذُكر لفظ ألمانيا أمامه؛ فلن تشهد سوى الامتعاض على وجهه، مع سرعة بتر الحوار، وكأنه مُسٌ من الشيطان؛ تستنتج بسهولة سوء علاقات الشعبين، والتي لم تشفع لها المدنية والتحضر أو المصالح المشتركة، ولم يسهم النسيان بشيء في تقبل كل منهما للآخر.
 
العداوة الفرنسية - الألمانية هي فكرة العلاقات العدائية التي لا يمكن تجنبها، والانتقام المتبادل بين الألمان والشعب الفرنسي وليد كراهية لا شعورية ليومنا هذا؛ تعود إلى زمن بعيد منذ عام ١٦٤٨م إبان الحرب التي استمرت لثلاثين عامًا بالتحديد في ذلك الوقت؛ حيث انتصرت فرنسا وفرضت نفوذها حينذاك محتفظة بثلاث أسقفيات هي: "ميتز، تول وفردان"، بعد توقيع معاهدتي صلح - "وستفاليا" و"مونستر" - في ١٥ مايو و٢٤ أكتوبر من نفس العام، وهو ما عده الألمان انتصارًا فرنسيًا مُخزيًا لهم.
 
 أصبحت تلك العداوة على المشاع أثناء الحرب الفرنسية البروسية (١٨٧٠/١٨٧١م)؛ حينئذ كانت البغضاء مع فرنسا عاملًا مهمًا في توحيد ألمانيا (باستثناء النمسا)، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى والتي أججت العداء، تبعتها الحرب العالمية الثانية؛ والتي لا زال الفرنسيون يتذكرون المعركة التي خاضتها البلاد والتي هُزمت فيها فرنسا شر هزيمة على يد قوات ألمانيا النازية بقيادة أدولف هِتلر، وقتل وشرد فيها الزعيم النازي الآلاف، وبعد انتهاء الحرب أصبحت كل من ألمانيا الغربية وفرنسا تحت تأثير الحرب الباردة، وكل منهما جزءٌ من حلف الناتو والجماعة الأوروبية للفحم والصلب؛ مما خفف من وتيرة الجهر بالعداء.
 
وبالبحث في جذور الشعبين؛ تستطيع فك شفرة الكراهية؛ حيث ترجع إلى العامل التنافسي والاختلافات الثقافية بين الغاليين والقبائل الجرمانية - ثقافات ما قبل الرومان التي تطورت تدريجيًا لتصبح فرنسا وألمانيا - كانت لبلاد الغال أهمية إستراتيجية بسبب موقعها الجغرافي، وكذلك كانت مصدرًا للدخل والمرتزقة والعبيد؛ مما أغرى الإمبراطورية الرومانية المتوسعة، ولفت انتباهها إلى هذه البلاد أولًا، وبلغ ذلك الانتباه ذروته في غزو يوليوس قيصر لها قبل الميلاد، على النقيض من ذلك ظلت القبائل الجرمانية - ألمانيا - أكثر عزلة وانقسامًا، حيث تقع ألمانيا بعيدًا عن النطاق الروماني وكانت محمية جيدًا بالحواجز الطبيعية القوية لجبال الألب ونهر الراين والدانوب والغابات الكثيفة، على مدى القرون الثلاثة التالية، وحتى أزمة القرن الثالث، كانت بلاد الغال جزءًا لا يتجزأ من الإمبراطورية الرومانية؛ بحيث أصبحت تدريجيًا رومانيةً، إذ تبنى شعبها العادات الرومانية ودمجوا لغاتهم الأصلية مع اللاتينية لإنتاج الفرنسية القديمة، التي تطورت خلال العصور الوسطى إلى الفرنسية.
 
من ناحية أخرى، لم تكن جرمانيا تحت السيطرة الرومانية؛ ولم تُدمج ألمانيا الغربية - المعروفة لدى الرومان باسم جرمانيا - في الإمبراطورية حتى القرن الأول الميلادي، وتوقف الرومان عن محاولة غزو النصف الشرقي من ألمانيا ورومنته بعد معركة "غابة تويتوبورغ" الكارثية.
 
تعاونت الاختلافات الثقافية بين الإغريق والألمان مع المدى المختلف للرومنة بشكل كبير لتأسيس الثقافتين ككيانات متميزة ومنفصلة خلال الفترة الأخيرة للإمبراطورية الرومانية وأوائل العصور الوسطى.
 
المشاعر المُعادية لفرنسا أو رهاب فرنسا أو "الفرانكوفوبيا" تشكل خوفًا أو ازدراءً شديدًا لفرنسا، وشعبها وحكومتها وكل ماهو "فرانكوفوني"، عكسها هو "الفرانكوفيليا"؛ وهو الكره الفرنسي لكل ما هو ألماني، ومن هنا نستنبط أن تلك العداوة عداوة وراثية؛ بحكم نشأة كل شعب وجغرافيته، ودرجة انتمائه وقربه من الإمبراطورية الرومانية في السابق.
 
وتتلخص مشاعر العداء في مقولة المفكر "غوته" الذي ذكرها في ملحمته فاوست الأولى بقوله: "الرجل الألماني الحقيقي لا يحب أي فرنسيّ، لكنه يحب شرب نبيذهم"!!
 
ولم يشفع للشعبين صورة رؤساء الحكومة "فرانسوا ميتران" و"هيلموت كوهل" وهم ممسكين بأيدي بعضهما في حفل أقيم في المقبرة العسكرية في فردان عام 1984، وحتى اليوم أصبحت ألمانيا وفرنسا شريكتين سياسيتين ودولتين مترابطتين بشكل وثيق، لتبادل المصالح والمنافع، ولكن لا زال الكره داخل قلوب الشعبين.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. شيرين الملواني تكتب: "نداء لصيادلة مصر"

بحت أصواتنا كصيادلة أصحاب ضمير؛ ننادي زملاء المهنة بعدم تشغيل دخلائها، وعدم الاعتماد عليهم في صرف الدواء والتحكم في جرعاته، وتنحيتهم تمامًا من مشهد مواجهة

د. شيرين الملواني تكتب: "نظرة على الانتخابات الفرنسية"

منافسة قوية ومواجهة ساخنة بين إيمانويل ماكرون ومنافسته في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبان ، اتخذت المواجهة طابعًا إعلاميًا قويًا

د. شيرين الملواني تكتب: بيع أم تمكين أم شراكة!

وصل لمسامعنا نوفمبر الماضي أطروحة شراكة القطاع الخاص مع القطاع العام؛ من خلال مجموعة من الآليات المُقترحة؛ لتمكين القطاع الخاص بالتوازي مع إعادة هيكلة

د. شيرين الملواني تكتب: "أقسى من جائحة كورونا"

بالأدلة والأرقام وصلت أزمة التضخم ذروتها عالميًا (الأسوأ منذ عام ٢٠٠٨) مسببة أضرارًا كبيرة على الأسر في جميع أنحاء العالم كنتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد،

د. شيرين الملواني تكتب: "مدارس التكنولوجيا"

لن يتغير الموروث الفكري والمجتمعي البائد المُنصب على تبجيل المؤهلات العليا، والتهافت على كليات القمة وغيرها، حتى وإن لَفظت عاطلًا عالة على الوطن مُكبدًا الدولة خسائر اقتصادية