Close ad

د. خالد قنديل يكتب: أين عقل العالم؟

7-3-2022 | 05:00

يتابع العالم كله بقلق الأخبار المتواترة والمتتالية عن الحرب الروسية - الأوكرانية، مما دفع بكثيرين القول إنها إيذان بحربٍ عالمية ثالثة، خصوصًا بعد تفاقم الأمر في الأيام التالية وصولًا لهذه اللحظة، التي تشهد تجدد القصف على مدن أوكرانية، واتفاق أوروبا ودول من مختلف أنحاء العالم على إدانة روسيا والتصويت على ذلك في الأمم المتحدة وفرض العقوبات المختلفة على الجانب الروسي، والذي من جانبه لم يتوقف عن التصعيد للدرجة التي وضع فيها فلاديمير بوتين "قوات الردع" النووي في حالة تأهب، مما جعل الناتو يندد بهذه الخطوة واصفا لها بأنها تصعيد مبالغ فيه وكان بوتين قد برر هذا الغزو الذي كان متوقعا، مدعيا أن هدفه من العملية العسكرية هو حماية سكان إقليم دونباس الذين " يتعرضون للتنمر والإبادة الجماعية"، ومعظمهم يتحدثون الروسية، وأنه يسعى إلى "نزع السلاح والأفكار النازية" من أوكرانيا.

على الرغم من أنه ليس هناك إبادة جماعية في أوكرانيا التي شبه رئيسها فولوديمير زيلينسكي، الهجوم الروسي بغزو ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، وكانت بوادر الأزمة قد بدأت في عام 2014 عندما جرى الإطاحة بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش، وأسمتها الولايات المتحدة وأوروبا ثورة الميدان الأوروبي، واعتبرها بوتين انقلابا مواليًا للغرب، توالت بعده الأزمات بين روسيا وأوكرانيا، وبدأت أمريكا تمويل القوات المسلحة الأوكرانية بعدما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم التي تعتبرها جزءا من روسيا.

ولم تتوان أمريكا والغرب عن فكرة  ضم أوكرانيا لحلف الناتو، إلى أن طالب الرئيس الأوكراني زيلينسكي العام الماضي بتسريع آلية انضمام بلاده للناتو والاتحاد الأوروبي، لتبدأ روسيا بشكل متسارع  ومكثف في حشد قواتها العسكرية على الحدود مع أوكرانيا، حتى بلغت حوالي 127 ألف جندي بداية فبراير الماضي، محذرة من عواقب انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، ويعلن بوتين اعتراف روسيا باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك عن أوكرانيا، ويوقع مع كل منهما معاهدة صداقة، من بنودها الدفاع المشترك، وإرساء إجراءات مشتركة لحراسة حدود جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، وحق طرفي كل معاهدة في استخدام البنية التحتية العسكرية والقواعد العسكرية على أراضي بعضهما البعض، والاعتراف المتبادل بالوثائق الصادرة عن أجهزة السلطة في البلدين، ودعم روسيا للقطاع المالي والمصرفي في دونيتسك ولوغانسك، واعتبار الروبل الروسي الوسيلة الأساسية للدفع والتعاملات المالية على أراضي الجمهوريتين.

ولعلنا نقرأ من هذا السيناريو مشهدا يفرض نفسه على جميع الأطراف وبالأخص طرفي الصراع الأساسي المتمثل في روسيا وأمريكا، فمتابعة التطور التاريخي للصراع وصولا إلى توقع الحرب الذي دفعت فيه واشنطن موسكو إلى المستنقع الأوكراني، بعد أن شنت أجهزة الإعلام الأمريكية والسياسيون حملة ترهيب مكثفة، حول ما أسمته الغزو الروسي الوشيك لأوكرانيا، ودعوتها للدول الأوروبية للعمل بالمثل، وتبعتها بريطانيا في المشاركة في بث الرعب، ليس في أوكرانيا وحدها، وإنما في كل أوروبا، لدرجة أن الرئيس الأوكراني طالب بأدلة على هذا الغزو الوشيك، فتجاهلته إدارة بايدن، الذي أعلن بشكل مسبق أن روسيا قد تنتصر، هادفًا بذلك أن تدفع موسكو ثمنا باهظاً، ولعل هذا التحرك متسارع الوتيرة الذي يبدو سياسياً والبارز فيه الرغبة الأوروبية والأمريكية في تسليح أوكرانيا وانضمامها للناتو، وتخوف ورفض بوتين لهذه الخطوة يُحيل إلى صراع تجارى اقتصادى بين روسيا والاتحاد الأوروبي وتحديدا ألمانيا، الدولة الأكبر اقتصاديا فى أوروبا والمستهدفة من هذه الحرب، بعد أن بلغت استثمارات خط الغاز "نورد ستريم 2 " 10 مليارات يورو، وهو الخط الذي يبلغ طوله 1230 كيلو مترا، ويضاعف حجم تصدير الغاز المباشر من روسيا إلى ألمانيا بمعدل 110 مليارات متر مكعب سنويا، وينطلق من روسيا مرورا ببحر البلطيق، مما يعزز العلاقة بين روسيا وألمانيا، وهو ما أثار مخاوف واشنطن، من هذا الخط الذي يرسم ملامح عالم جديد متعدد الأقطاب بقيادة بوتين ومعه الصين التي تناوش أمريكا بثقل اقتصادي وتجاري، فكان لابد من البحث عن محاولات لعرقلة المشروع، فلم يكن في الواجهة سوى أوكرانيا التي أصبحت شوكة في ظهر الدب الروسي.

فمن الخاسر إذا من وراء هذا الصراع، وما الحلول الممكنة لوقفه وتغليب لغة العقل؟ وإذا نحينا جانبًا تحديد المسؤول، فإن استمرار الصراع سيضر بالجميع، ويضاعف من العواقب السياسية والاقتصادية، ويزيد من احتمالات اتساع نطاق الحرب، خصوصًا بعد أن تغيرت موازين القوى في العالم، ولم تعد روسيا كما كانت فى منتصف التسعينيات، وكذلك الصين كواحدة من أهم القوى الدولية الرئيسة في النظام العالمي، التي تراقب عن كثب الأزمة وتضع الاحتمالات المختلفة أمامها، وموقع الأزمة في إدارة عملية الصعود الصيني داخل النظام العالمي، وهي التي تمثل قوة اقتصادية، مع التحول الكبير على مستوى توزيع القدرات الاقتصادية والعسكرية، وأنظمة التسليح، وقرب انتهاء النظام أحادي القطبية لصالح نظام متعدد الأقطاب، تسعى إليه الصين بقوة بل عبرت عنه صراحة، وقد أكدت الأزمة الروسية - الأوكرانية الراهنة التوافق الروسي- الصيني، وجاء الموقف الصيني عقب بدء العمليات العسكرية الروسية داخل أوكرانيا معبرا عن "تفهم" الصين للمخاوف الأمنية الروسية على حدودها الغربية، ورفضت وصف العمليات العسكرية الروسية داخل أوكرانيا بأنها "غزو"، أو "اعتداء" على السيادة الأوكرانية، وربما لا تجدي مع هذا العالم الجديد المتشكل في الأفق حزمة العقوبات التي تبناها الغرب ضد روسيا، ومنها استبعاد عدد من البنوك الروسية من نظام "سويفت" المصرفي الدولي، والذي قد يؤثر بإيقاع سريع على الاقتصاد العالمي، حسب ما توقع صندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى احتمالات نشوب نزاعات أوسع،  وتشكل أحلاف اقتصادية وعسكرية واضحة الملامح في عالم جديد.

فليتوخَ الجميع الحذر قبل نشوب حرب عالمية ساخنة أو باردة جديدة تعيد ترتيب الخرائط فى العالم، خصوصًا مع امتلاك كل الأطراف أسلحة ردع نووية، وهي بمثابة المارد الذي ليس من مصلحة أحد إيقاظه.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة