Close ad

شريف سعيد يكتب: بونابرت.. يكذب أم يتجمل؟!

6-3-2022 | 17:15

في الثالث من مارس/ آذار، وصل نابليون بقواته ناحية يافا وحاصرها من بعد حيازته خان يونس وغزة. بدتْ مقدمات ربيع عام 1799 على فلسطين بالغة الحرارة! على رأس حملة فرنسية، توجه بونابرت من بعد مصر زاحفًا نحو الشمال بميل إلى الشرق، وذلك في أعقاب استيلاء قوات والي عكا "أحمد باشا الجزار" على العريش ووشاية هذا بقرب عودة جيش الاحتلال العثماني من هذه الناحية لقضم كعكة المحروسة من جديد، فانتوى نابليون هو الآخر كمُحتل، القضاء على هذا الخطر مبكرًا. رغم مرور 223 عامًا، أيام بونابرت في يافا يظل الجدل حولها قائمًا!
 
 بعث نابليون ضابطًا ومعه آخر برسالة للتفاوض مع الحامية العثمانية للمدينة للتسليم دون قتال حفاظًا على الأرواح وإلا المدافع ستنهي كل شيء. الحامية بقيادة "عبدالله باشا" قائد قوات الجزار في يافا والمكونة من مغاربة وألبان وأكراد وترك وعرب من دمشق وحلب وسود من التكرور الأفارقة، جاء ردها عقب 15 دقيقة مفاجئًا وداميًا! تم إشهار رأس المرسول الفرنسي ورفيقه عقب قطعهما، كما تم إلقاء جثتيهما من فوق الأسوار! لم يعد بديلًا عن معركة سقطتْ يافا على إثرها ومعها ما يقرب من ألفي قتيل وفق المُوثق بكتاب "تاريخ الحركة القومية ج2" للمؤرخ عبدالرحمن الرافعي. لكن "عبدالله باشا" قائد الحامية العثمانية لم يكن من بين القتلى أو الأحياء وكأنما استحال فص ملح وذاب! تم الاستيلاء على يافا في السابع من مارس/ آذار، لتتذوق المدينة مرارة السلب والنهب والقتل من قِبل جند الحملة. الجنرال "روبان/ Robin" الذي عُين حاكمًا ليافا، وجد نفسه مضطرًا لقتل عدد من عسكره لاستعادة السيطرة والنظام. بمُذكراته التي دونها نهايات عُمره منفيًا بجزيرة "سانت هيلانة"، يسترجع بونابرت ما وقع بيافا: (شعرتْ المدينة بعد النهب بكل فظائع مدينة تم الاستيلاء عليها بالهجوم). لكن الأسوأ رُبما لم يكن قد حل بعد! ارتبط اسم بونابرت بمذبحة للأسرى في يافا.
 
 ما دونه الرافعي بكتابه والمتوافق مع سردية الكاتب الفرنسي "ريبو/ Louis Reybaud" بكتاب "التاريخ العلمي والحربي للحملة الفرنسية ج4"، فإنه وعقب دخول الحملة يافا، فقد كان هناك ما يقرب من ثلاثة آلاف جندي عثماني استسلموا للفرنسيين كأسرى، وقد قرر بونابرت إعدامهم بالرصاص لعجزه عن إطعامهم وحراستهم. لكن وبالرجوع لمذكرات نابليون "ترجمة د/ عباس أبوغزالة" نجد المروية اختلفتْ! أقرَ بونابرت بالقتل وخفض العدد وقدم المبرر وهذب الصورة. أحصى العدد الإجمالي بألفي وخمسمائة سجين، منهم "ثمانمائة أو تسعمائة" هزمهم بالعريش قبل أيام ثم عفا عنهم عقب قسمهم وتعهدهم بالسفر لبغداد وعدم عودتهم قبل عام، لكنهم خانوا عهدهم معه فأمر بقتلهم، كذلك كان من بين الأسرى أربعمائة، بينهم نقيب الأشراف السيد "عمر مكرم"، يقول بونابرت عن هؤلاء: (هتفوا "مصريين مصريين" كما لو أنهم يقولون: "فرنسيين فرنسيين". وعندما وصلوا إلى مصر أشادوا بالاحترام الذي لاقوه عندما عُرف أنهم مصريون). إضافة إلى خمسمائة آخرين أطلق نابليون سراحهم حين ادعوا أنهم من السكان فتسلموا إذن الذهاب إلى ما بعد نهر الأردن. إلى الأبد ستظل حقيقة ما دار غائمة! هل حقًا اصطبغ بحر يافا بدم 3 آلاف أسير! هل رواية بونابرت هي الأقرب للعقل، أم أنه بمُذكرات نهاية العُمر يكذب، أو رُبما يتجمل؟!
 
 في النهاية وبعيدًا عن المرويات الجدلية، كان قائد العثمانيين الذي ذاب مثل فص الملح قد عاد وظهر، ليس كقائد للمقاومة، وإنما بخيمة قائد الحملة الفرنسية، متنكرًا في ثياب رجل دين مسيحي! ركع أمام بونابرت عارضًا خدماته، فتم الصفح عنه وأُرسل إلى القاهرة.
 
للتواصل مع الكاتب عبر تويتر: twitter.com/sheriefsaid

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: