Close ad

شريف عارف يكتب: ذاكرة في "سلة المهملات"

1-3-2022 | 17:30

تشرفت قبل يومين بالمشاركة في الندوة التي نظمتها الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، برئاسة الدكتور أيمن  فؤاد سيد بالتعاون مع مركز الدراسات التاريخية بجامعة القاهرة برئاسة الدكتورة إيمان محمد عامر، تحت عنوان "مرور مائة عام على تصريح 28 فبراير 1922"، تحدث في الندوة، وزير السياحة الأسبق منير فخري عبدالنور، ووزير الخارجية الأسبق محمد العرابي، وأستاذ القانون الدولي الدكتور أيمن سلامة.
 
الندوة كانت مثمرة لأبعد الحدود، وشهدت مشاركة ومداخلات من متخصصين، حول واحد من أهم الأحداث التاريخية في تاريخ مصر الحديث، وهو تصريح 28 فبراير، الذي ألغت فيه بريطانيا الحماية على مصر، وأصبحت مصر بمقتضاه "دولة مستقلة".
 
شهادات مهمة أدلى بها عدد كبير من الحاضرين، منهم الدكتور جمال شقرة أستاذ التاريخ، والكاتب حلمي النمنم وزير الثقافة السابق وغيرهما، إلا أن فكرة واحدة دومًا، كانت تدور في ذهني وقت الندوة، وهو مصير كل هذه الشهادات، التي لم تخرج عن كونها في ندوة عامة، سينتهي كل شيء فور انتهاء الوقت المخصص للندوة.
 
كم ندمت على شخصيات قابلتها في حياتي، ولم أوثق هذه اللقاءات بالشكل الصحيح والاحتفاظ بها، مئات الساعات من التسجيلات المهمة، لم ألتفت إلى أهميتها إلا في السنوات القليلة الماضية، ومن وقتها قررت أرشفتها.
 
هذه القضية، شائكة ليس لي وحدي، ولكنها – للأسف – لغالبية الإعلاميين، الذين يسجلون شهادات مهمة مع شخصيات مؤثرة، في وقت بالغ الأهمية، ورغم ذلك يسارعون بالتخلص من أصول التسجيلات، فور انتهاء الغرض منها والمتمثل في النشر، بحجة الحاجة إلى مساحات في الذاكرة، أو الشرائط وغيرها من الحجج الكارثية.
 
العالم كله يتجه الآن إلى حفظ تراثه الشفاهي، المتمثل في التسجيلات الخاصة والعامة، التي يقوم بها الأفراد مع الشخصيات ذات التأثير، أو شهود العيان، وهو ما دعا إلى ظهور مصطلح "التاريخ الشفاهي"،  والمقصود به هو جمع ودراسة الأحداث المهمة والمعلومات التاريخية عن الأفراد والأسر، أو الحياة اليومية باستخدام التسجيلات الصوتية أو الفيديو. 
 
وحقيقة فإن هذا التاريخ يمثل أزمة حقيقية في مصر؛ لأن أسهل شيء في نهاية كل عمل، هو إلقاء المادة الخام للتسجيلات في سلة المهملات، وهو أسلوب يلجأ إليه الصحفيون والإعلاميون، مما يفقد الأمة المصرية جزءًا مهمًا من تاريخها المجتمعي.
 
لكل حوار "سقف" إما أن يضعه الضيف لنفسه، أو تحدده الظروف السياسية.. أو أنه "سقف زمني" أوجدته ظروف محددة انتهت و"راح زمانها"، فالضيوف نوعان، الأول ضيف يتحدث بطلاقة، وبعدها يدرك أن ما تحدث فيه اقترب وربما تخطى حدود "سقف الكلام"، فيطلب من المحاور عدم نشره أو عدم ذكر هذا الكلام على لسانه، والنوع الثاني الذي لا يضع "سقفًا" لحديثه؛ بحيث يعجز المحاور نفسه عن النشر!
 
على مدى ربع قرن، تقابلت وحاورت ألوانًا من البشر والضيوف، قبل أكثر من عشرين عامًا من الآن – وتحديدًا عام 1996 - اختارني المرحوم الدكتور صلاح قبضايا لكتابة وإعداد مذكرات الحارس الخاص للملك فاروق المرحوم اللواء الغريب الحسيني، أمضيت أيامًا وجلسات طويلة مع «الحسيني» ما بين القاهرة وبورسعيد - مسقط رأسه ورأسي أيضًا - أسجل ذكرياته مع آخر ملوك مصر، التي قرر أن يفضي ببعضها قبل شهور من وفاته، وأصدرتها دار «أخبار اليوم» في كتاب حمل عنوان «سنوات في البلاط الملكي» عام 1997.
 
هذا الرجل كان الحارس المرافق للملك منذ خروجه – هو وأسرته - يوم ٢٦ يوليو عام ١٩٥٢ من الإسكندرية مستقلًا اليخت «محروسة»، وحتى ميناء «نابولي» الإيطالي، وعند عودة اليخت وجد الصاغ (الرائد) الغريب الحسيني الصحفي سعيد سنبل ينتظره بميناء الإسكندرية، عارضًا عليه «شيك على بياض» من دار «أخبار اليوم» لكي يختصها - في حلقات مسلسلة - بما دار على اليخت منذ إقلاعه من الإسكندرية وحتى وصوله إلى ميناء نابولي، أدرك الحارس الخاص أن القضية ليست ما دار على السفينة، ولكن «ما سيدور» على صفحات الجرائد من ادعاءات وأكاذيب، وهو الذي أقسم على الولاء للملك حتى آخر لحظة في عمره، رفض الحارس العرض بلباقة، وانتهى الموقف عند هذا الحد إلى أن التقيته، وبدأنا رحلة التسجيلات سويًا.
 
عشرات وعشرات من القصص المماثلة تكررت معي عبر كل هذه السنوات.. اللواء فؤاد نصار، مدير المخابرات الحربية الأسبق - رحمه الله - كثيرًا ما كان يقول لي: «اقفل الكاسيت واسمع الحكاية دي لك».. قادة عظام فضلوا الموت بالسر بدلًا من البوح به.. أو سجلوا شهاداتهم ولم يتم حفظها وأرشفتها بالشكل السليم..!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
شريف عارف يكتب: روح لا تنام.. وبطولات لا تموت

بعد ساعات قليلة، من عبور قواتنا المسلحة للمانع المائي لقناة السويس في حرب أكتوبر المجيدة، كتب الأديب الكبير توفيق الحكيم في صحيفة الأهرام يقول: عبرنا

شريف عارف يكتب: مائة عام من "العبث"

قد يكون مسلسل الاختيار بأجزائه الثلاثة، قد ساهم في عملية توثيق جرائم جماعة الإخوان خلال الألفية الثالثة، لكنه لم يغير شيئاً - في وجهة نظري- تجاه الحكم الذي أصدره الشعب المصري في 30 يونيو 2013

الأكثر قراءة