Close ad

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: الدين والسياسة في عصر محمد علي

27-2-2022 | 13:27

استخدم محمد علي الدين ووظفه لخدمة مصالحه السياسية بوضوح؛ حيث سعى لتوثيق علاقاته بعلماء الدين والزعامات الشعبية؛ مثل السيد عمر مكرم نقيب الأشراف وغيره من العلماء؛ لمساندته في التمرد على الدولة للانفراد بحكم مصر، من خلال الحفاظ على الطابع والمظهر الإسلامي للحكم؛ بغرض كسب تأييد الرأي العام والشعب، ومحاولته توظيف الدين من خلال صناعة أيديولوجيا رسمية للدولة المصرية في عصره، فروج لنفسه أمام العلماء والأعيان وعامة الشعب بأنه الحاكم القوي الذي يعتمد على الدين في حكمه، ويسعى للعدل ونشر الدين وحماية البلاد من الفوضى والانقسام.
 
كل هذا تحت عباءة الدين الإسلامي كأساس لشرعيته؛ ولذلك لجأ وتحالف مع القوى الدينية في البلاد، الذين وقف معظمهم معه وأيدوه وساعدوه، ووعدهم بأن يكونوا شركاءه ومستشاريه عندما يتولى الحكم، ثم عندما استقر في الحكم قام بالتخلص من أعدائه المماليك في مذبحة القلعة.
 
وبعد فشل حملة فريزر والانقسام الذي حصل في الأزهر حول من يتولى الإشراف على أوقاف الأزهر بين الشيخ عبدالله الشرقاوي، والشيخ محمد الأمير، قام محمد على باستغلال هذه الظروف وفرض ضرائب جديدة وكبيرة على الشعب، فتذمر الناس ولجأوا إلى عمر مكرم، الذي وقف بجوار الشعب، وتوعد بثورة عارمة ضد محمد علي فأرسل محمد علي إلى عمر مكرم يدعوه إلى مقابلته، فرد عمر مكرم بأن يكون الاجتماع في بيت السادات، فاعتبر محمد علي ذلك إهانة له، فجمع مجموعة من علماء الدين والقيادات الشعبية، وأعلن خلع عمر مكرم من نقابة الأشراف، وتعيين الشيخ السادات بديلًا عنه؛ بل واتهم عمر مكرم بأنه أدخل في دفتر الأشراف بعض الأقباط واليهود،  نظير حصوله على المال منهم، وفعلًا تم نفي عمر مكرم، وحل محله مجموعة من المشايخ الذين استمالهم نحوه محمد علي بهدايا مالية ضخمة، وبعضهم بمراكز ووظائف كبرى ومربحة، وسماهم الجبرتي في مذكراته مشايخ الوقت والسلطان للاستفادة منهم؛ لحل الأزمة.
 
وبذلك تخلص محمد علي من الزعامات الشعبية، وعلماء الدين الذين ساندوه مثل عمر مكرم وغيره، كما قام محمد على بحملة عسكرية بقيادة ابنه طوسون لقتال الوهابيين في الجزيرة العربية لخدمة السلطان العثماني مصطفى الرابع، بعد سيطرة الوهابيين على الحرمين الشريفين من يد العثمانيين.
 
ومن كل ما سبق يتضح كيف استغل محمد علي علماء الدين في تحقيق مصالحه الشخصية والسياسية؛ لأن الدين هو الوسيلة الأساسية لكسب التأييد الشعبي، وكان لمحمد علي دوره في تغيير قانون تعيين شيخ الأزهر؛ حيث كان يتم اختيار شيخ الأزهر باتفاق الشيوخ، ثم يقومون بإخطار الوالي العثماني بالاسم المقترح لتولي رئاسة الأزهر، ولكن محمد على غير ذلك، وأصبح هو صاحب قرار تعيين شيخ الأزهر.
 
وفى عام 1911 أنشئت هيئة كبار العلماء، ونص القانون على أن يكون اختيار شيخ الأزهر من بين كبار العلماء، ثم يرسل للملك للموافقة عليه، وفى عام 1927 صدر قانون رقم 15 لعام 1927، وجعل حق اختيار شيخ الأزهر لرئيس الوزراء، وحق الموافقة للملك؛ مما أدى لصراعات كبرى؛ حيث شهد الأزهر ثورة عارمة على شيخه محمد الأحمدي عام 1934 للخلاف بين الحكومة والملك، وأيضا عام 1943 ضد شيخه مصطفى المراغي؛ لوقوفه ضد حزب الوفد.
 
وبعد ذلك في عصر عبدالناصر في عام 1961 أنشئ مجمع البحوث الإسلامية؛ ليقوم بدور هيئة كبار العلماء، ويتكون من 50 عضوًا ويقوم رئيس الجمهورية باختيار شيخ الأزهر من بينهم، ويعين ولا يقال، إلى أن جاءت انتفاضة 2011 والدستور الجديد عام 2012، وعادت هيئة كبار العلماء، وأصبح من حقها انتخاب شيخ الأزهر ثم يصدر القرار من رئيس الجمهورية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة