Close ad

نجلاء محفوظ تكتب: الابتلاء ومضاعفة الخسائر

26-2-2022 | 17:19

لا تخلو حياة أي إنسان بالكون من ابتلاء من وقت لآخر؛ وتتفاوت "اختيارات" الناس في استقباله؛ فمنهم من ينكره ويتعامل وكأن شيئًا لم يكن، ولا يبذل أي جهد لفهمه أو لتقليل حدته، ويرفض من يحاول تنبيهه لمواجهته، ويصنع خسائر "جديدة" بيده؛ فإنكار ما يؤلمنا لن يجعله "يرحل" من تلقاء نفسه؛ فسيبقى "وسنفاجأ" بزيادته وندفع الفواتير الأقسى..
 
هناك من يستقبل أي ابتلاء - مهما صغر - بالصراخ والعويل والشكوى لكل من يراه، والمبالغة وكأن حياته انهارت "للأبد" ولا فرصة أمامه "لإيقاف" الخسائر الناتجة عن الابتلاء؛ ولا ابتلاء بلا خسائر، وتتنوع الخسائر بين فقدان من نحب أو خسائر صحية أو مادية وإنهاك نفسي "قد" يحتاج لوقت طويل للخلاص منه، بالإضافة لخسائر العلاقات كفسخ خِطبة أو طلاق أو عقوق أبناء أو خيانة أصدقاء أو فقدان عمل، والبعض يرى أي مشكلة كابتلاء فيظلم نفسه.
 
يضر التهويل من الابتلاء بصاحبه فيحرمه فرصًا يستحقها للفوز "بأفضل" ما يمكنه وبعلاج الخسائر أو تقليلها، وتقليل الخسائر مكسب..


لا يفوز بالمكسب من يبالغ بالتألم من الابتلاء أو من الشكوى منه، أو بالتعامل معه وكأنه حائط مسدود لا يمكن اختراقه؛ ودومًا يمكن إحداث "الثغرات" بحوائط الابتلاءات وفتح "أبواب" الأمل في رحمة الخالق عز وجل، وزرع حسن الظن به عز وجل بالقلوب قبل العقول؛ لتقود صاحبها بمشيئة الرحمن وواسع فضله وكريم إحسانه للسكينة والتسليم "المطمئن"، والثقة بأن الأمر سينتهي على خير ويستعين بالله ولا يعجز ويبذل أقصى ما يمكنه من جهد بوعي وبمثابرة وبلا جزع وبرضا وشكر "صادق" للرحمن عز وجل على كل النعم التي لديه بالفعل ولحياته السابقة التي خلت من هذا الابتلاء، وبيقين بأن الله سيجزيه ثواب الصابرين؛ إن صبر، وهو ثواب عظيم وجميل "يخسر" من يضيعه على نفسه، ويفوز من "يتنبه" له ولا يسمح لوجع الابتلاء أن "يسرقه" منه..
 
من أعداء الصبر والثبات عند الابتلاء تذكر الابتلاءات السابقة؛ وهذا من منافذ إبليس اللعين ليمنعه من النهوض ومواجهة الوجع؛ وكأنه كمن يرى إنسانًا يحمل أشياءَ ثقيلة فيلقي عليه بأضعافها ليطرحه أرضًا؛ وهذا ما نفعله بأنفسنا عند تذكر الابتلاءات السابقة أو "نسمح" لأحد بتذكيرنا بها "لمواساتنا"؛ فنضعف مناعتنا النفسية، والأذكى تذكير النفس بانتصاراتنا بالحياة والابتهاج بها -وإن قلت- ونثق بقدرتنا على الصمود بوجه الابتلاء.
 
من مسببات زيادة خسائر الابتلاء؛ التعامل معه وكأنه عقاب "نستحقه" لارتكابنا الذنوب، ولا أحد منا ملاك، فلا ملائكة على الأرض، نعم نرفض الاستهانة بالذنوب، وندعو دومًا للمسارعة بالتوبة، ولكن في الوقت نفسه نرفض جلد الذات وقت الابتلاء خاصة؛ ونفضل الدعاء الجميل بأن يكون الابتلاء رفعًا للدرجات في الدنيا والآخرة، مع كثرة الاستغفار والتصدق، وكراهية الذنوب والعزم الأكيد على عدم تكرارها، وذلك من شروط التوبة المقبولة بمشيئة الرحمن مع الإلحاح بالدعاء للرحمن بقبول التوبة ورد الحقوق لأصحابها؛ إن ارتبطت الذنوب بالآخرين..
 
يؤذي البعض نفسه ويزيد خسائره بيديه عند تعرضه لابتلاء "بتوهم" أن الآخرين لم ولا يعانون من أية ابتلاءات؛ فأعمارهم سلسلة متصلة من الأفراح والنجاحات، ولا أحد كذلك بالحياة؛ والأذكى عدم بعثرة طاقاتنا النفسية بالتفكير بالآخرين وادخارها للفوز بأكبر قدر من الصفاء الذهني للوصول لأحسن تعامل مع أوجاعنا.
 
ننبه لخطأ شائع عند الابتلاءات؛ الاستسلام للحزن وزرع "اليأس" بالقلوب والعقول وترديد جمل مثل؛ لا فائدة، المشاكل تلازمني، النحس يطاردني وقولها للآخرين، والمؤلم تأكيد البعض لها بمحاولة للتعاطف وآخرون يسخرون ويؤلمون المُبتلى، وغيرهم "يلقون" عليه بوابل من حكايات أشد إيلاما حدثت لهم أو لمن يعرفونهم أو عرفوها من وسائل التواصل؛ لإثبات أنه "مرفه" للغاية مقارنة بهم؛ فيبذل جهدًا "بائسًا" لإقناعهم بألمه..
 
من حماية النفس تجنب ذلك مع أهمية شغل النفس بالانهماك بأمور تفيده ولا تثقل عليه؛ فالفراغ أكبر منشط للألم؛ حيث يتفرغ لتذكر منغصاته.
 
يتوقف البعض عن فعل الخير ومساعدة الغير لاستغراقه بالابتلاء، وهذا خطأ وبالحديث الشريف "كان الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"، والتشاغل عما يؤلمنا بمساعدة الخير يمنحنا رضًا جميلًا عن النفس.
 
يحرم البعض نفسه من فوائد الدعاء؛ فيدعو وهو يتشكك بالنجاة؛ والأفضل أن يدعو بأن "يقويه" اللطيف بعباده ويمنحه العزيمة والبصيرة لاجتياز الابتلاء بأقل خسائر ممكنة ويعوضه "بأوسع" وأجمل تعويض بالدارين.
 
أبشع ما يفعله إنسان بنفسه عند الابتلاء؛ أن يقول، ولو لنفسه، لماذا يحدث لي ذلك؟ ففي ذلك اعتراض على مشيئة الله -والعياذ بالله- وكثير من الابتلاءات "نساهم" بحدوثها ولو بسوء اختيار من نتعامل معهم أو بإهمال الصحة أو بالاندفاع في تكوين العلاقات أو بالتفريط بحقوقنا، ولا نقول ذلك لجلد الذات؛ ولكن لتحمل دورنا بصنعها ولعدم تكرارها، أما باقي الابتلاءات فهي "فرصة" لنكون أقوى بالدنيا ولترتفع درجاتنا بالآخرة؛ متى شكرنا الرحمن أنها لم تكن أشد وصبرنا واتخذنا كل الخطوات للنجاة بعد الاستعانة بالرحمن "وتنفس" الرضا فهو "أوكسجين" النجاة والسعادة والنجاح ووقود يزيد ولا ينقص..

كلمات البحث
الأكثر قراءة