Close ad

شريف سعيد يكتب: لا أريد مواعدة "مونيكا"!

20-2-2022 | 16:49

كان القرن العشرين يلملم أحداثه من العالم متأهبًا للرقود بكتب التاريخ. كنا مرتابين مما سيحدث لحظة ما سينتصف الليل الأخير بالسنة ويحل الرقم 2000! كنا بحي الظاهر - أحد معاقل الطبقة الوسطى قلب القاهرة - مثل كل الخلق، نشتري الصحف كطقس صباحي. ما زلتُ أذكر جرائد الجمعة31 ديسمبر/ كانون الأول 1999، كنتُ بعامي النهائي في الجامعة، طالعتُ حدس المحللين والمنجمين والعرافات! تؤكد لي عقب أشهر أن جميعهم عجزوا عن التنبؤ بحدثي الأهم "امتلاك الجهاز السحري"! لقد تمكنت مع تخرجي والعمل من تقسيط ثمن هاتف خلوي فرنسي الصنع، لونه بزرقة المحيط، وحجمه مثل فرد حذاء طفلة سعيدة! لحظتئذ صار بوسعي الإفلات من سلطة أبي الذي داوم خلع قابس هاتفنا الأرضي في تمام العاشرة مساءً!
 
الذين بارحوا أرحام أمهاتهم نحو الدنيا بتسعينيات القرن المنصرم ومطلع الألفية الحالية، لن يدركوا روعة اللحظة التي كان يدق فيها هاتفي الجوال وسط الناس وأنا فوق رصيف محطة "غمرة"، بانتظار قطار قادم يتجه بي لمحطة "السادات"! لم تكن الهواتف المحمولة قد انتشرتْ بين عموم الناس بعد، وقد نجحتْ شركات الدعاية والإعلان في صناعة صورة ذهنية لمَن يمتلك هذا الجهاز باهظ التكلفة، بأنه حتمًا من نُخبة النخبة! لذا وحين كنت أنتزع الهاتف الفخم المُثبت في جانب بنطالي لأرد على المُتصل هكذا بطبيعية وسط الشعب، كنتُ أشعر في داخلي أني رئيسٌ أمريكي في بيت أبيض خلف مكتب بيضاوي، أواعد "مونيكا لوينسكي" على العشاء بعيدًا عن ملل ورتابة "هيلاري"! أو أني "جيمس كاميرون" أرد بلا مبالاة على أحد الصحفيين وهو يضغط علي كي يعرف تفاصيل مشروعي القادم عقب إخراجي "تيتانيك"! أو أني وعلى أدنى تقدير، ذلك الشاب، الذي يظهر بالإعلان المصري التليفزيوني الشهير لإحدى شبكات المحمول، ويتحدث في مكالمة هاتفية، وعلى الجانب الآخر من تلك المكالمة فتاة حسناء، تطلب مني نفس ما طلبته منه: "قولي بحبك بصوت عالي"! كم كنتُ ساذجًا! كم كنا طيبين! مبكرًا لم ندرك أن هذا الهاتف الذي اُخترع من أجل التواصل والأحلام، كان بداية النهاية لحقبة التواصل! كان ختام حقبة الإنسان!
 
ثم تسارعتْ الأيام وتطور الهاتف، صغر حجمه وكبر، انبعج واستدار ثم استطال وأُضيفت له صفة الذكاء فاستحال صندوقًا أسود لحيواتنا! سُجنا داخله وابتعدنا عن بعضنا كثيرًا. اختُزلتْ أحاسيسنا بعبارات نصية مقتضبة وعلامات إلكترونية باردة تعطي الانطباع ونقيضه! لم نعد نكتب الخطابات، انقرضت إلى الأبد فرحة فضنا لمظروف قادم من الأحباء مع ساعي البريد! صرنا أمام قصص حب خرافية، تبدأ وتنتهي داخل الأجهزة! رُبما لم نعد بشرًا! فمع أول انقطاع لإشارات التغطية، نشعر بالضيق والاختناق رغم أننا بخير ونتنفس! هل تم مسخنا بنجاح! اُغتيل سلامنا، لم يعد لنا حق الانزواء طالما أجراسنا ترن وعلاماتنا الخضراء مضيئة جوار أسمائنا بالتطبيقات! مَن أدراكم أني الآن متاح! رُبما أرعى أسماكي الملونة أو أصيد الفراشات! الأخطر أن ذكريات الإنسان تواجه الآن شبح الاندثار! استيسرنا التقاط الصور بهواتفنا، لم نعد نطبعها ونجمعها من أجلنا ومن أجل القادمين من بعدنا! ملامحنا لن يتذكرها أحد عقب أن نغادر!
 
مر حوالي ربع قرن، مدة هزيلة إذا ما قيست بما طرأ على أحوالنا! أنا الآن لا أريد مواعدة "مونيكا لوينسكي"، ولا شهرة "جيمس كاميرون"، ولا فتاة تطلب مني "قولي بحبك بصوت عالي"، أنا لا أريد هذا الكم من الإشعارات! أنا أريد سلام الأيام الأولى، وأبي "رحمه الله" ينزع قابس هاتفنا الأرضي في تمام العاشرة كي ننام.
  
للتواصل مع الكاتب عبر تويتر: twitter.com/sheriefsaid

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة