Close ad

أماني القصاص تكتب: صناعة التفاهة

20-2-2022 | 16:28

خبر عاجل في جريدة مهمة يتساءل: كيف حافظت عروس الإسماعيلية على مكياجها بعد أن ضربها العريس وأهله وسحلوها - لقاء خاص مع الكوافيرة!!
 
- لقاء خاص مع العريس الذي ضرب العروس في منزله، ويبدي تعجبه من أهل البندر الذين لا يعرفون أن ضرب العروس وسحلها حتى يوم فرحها من مجموعة (همج) هم أهل الزوج المنتظر وأهلها، شيء طبيعي وعادي!!
 
- مذيعة مغمورة تتحدث عن الحادث في قناة عربية، وتشيد بأن العروس المُهانة المقهورة المضرُوبة بوحشية قبل حفل زفافها عاقلة!! وتدعو كل زوجة ضربها زوجها وأهله؛ سواءٌ يوم فرحها أو بعده لأن تقول له: أنت سيدي وتاج رأسي، بل وتقبل ما يحدث معها عادي!
 
- عشرات الصفحات؛ سواء في الصحف أو في المواقع الإليكترونية، ومثلها الساعات الطويلة في البرامج التليفزيونية التي تفرد مساحات واسعة لتنجيم أي شخص صنع فيديو فج أو مطرب سوقي يقدم تقليعة جديدة، أو عريس تربيته هو وأهله وغياب القانون سمح له بضرب عروسه بوحشية  في الشارع قبل الوصول لقاعة زفافها، والأكثر أن يتعامل هذا الهمجي بأنه نجم ونموذج بين الرجال ويطلب من القنوات الفضائية مائة ألف جنية مقابلًا لظهوره، فقنوات صناعة التفاهة "حضرت العفريت"، ويجب أن تدفع ثمن ذلك حتى تتعلم كيف تصرفه!
 
لقاءات مع الأقارب والجيران والحاضرين لكل حادث يصبح "ترند" بمعنى آخر قضية تافهة تشغل الناس عن كل ما هو مهم، والمهم مثلًا في هذه القضية وغيرها من قضايا العنف الممنهج ضد النساء هو غياب قانون الحق العام الذي يجرم الفعل ويعاقب مرتكبه حتى لو أُرغمت الضحية على التنازل لأسباب اجتماعية أو مادية أو حتى نفسية.
 
- في حوار قريب مع دكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع السياسي حدثتني فيه عن كتاب آلان ديلون الكاتب الفرنسي الشهير بعنوان "العبث" وترجمته الأقرب هو "صناعة التفاهة"، وكيف أن التفاهة لها نظام  يفرضه التافهون أو المروجون لها، فيتم التركيز على الأدنى وليس على الأعلى، فكما قال جمال الدين الأفغاني من قبل:
"أن التسفل أسهل  من الترفع"؛ حيث إن الناس لا تحتاج  إلى مقومات للتسفل، عكس العلم والترفع فالوصول له صعب ويحتاج للعديد من المقومات.
 
الصعب في المعركة أن من يتحكم فيها التافهون؛ سواء في المجتمع أو في المهن أو في الإعلام والثقافة، وهنا يكمن الدور المهم جدًا للإعلام في رفع الوعي المجتمعي بدلًا من تلميع التافهون وعرض فقرات تافهة تُرضي ذوق المنحدرين في الوعي وفي الثقافة، وكذلك في رفع الذوق العام؛ سواء في الفنون أو في اختيار الموضوعات أو حتى في استخدام الألفاظ والعبارات الأرقى، وعدم النزول لأي تدنٍ، كذلك احتلال برامج التسالي والنميمة والمسابقات الفارغة والمباريات أحيانًا لكل وقت البث، وعدم الاهتمام مطلقًا بأعمال ترفع الوعي؛ سواء كانت حوارات أو أعمالًا درامية أو غيره.
 
-المعركة بين من يريدون العلم والمعرفة والرفعة، وبين المحرضين على التفاهة ليست بسيطة بالطبع حتى إننا نجد في مؤسساتنا الأكاديمية، وكل من ينقل المعرفة للأجيال القادمة اليوم لا تقوم بدورها المنوط، خاصة بعد أن أصبح التعليم هو مجرد طلب شهادة أو رخصة لممارسة مهنة معينة، لذلك يسيطر نظام التفاهة على الحرف الحقيقية التي يدفع أصحابها كل وقتهم أو حتى حياتهم لطلب معرفتها وإتقانها، فمقولة (كاد المعلم أن يكون رسولا)؛ لأنه متمكن من مهنته ومن علمه وينقل ذلك بمنتهى الأمانة والضمير للطلبة لا ينتظر أن يعطي لهم دروسًا خصوصية بالمقابل.
 
منذ سنوات طويلة عبر الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي عن شعوره بالوحدة والحزن والمهانة؛ لأنه كمثقف واعٍ لا يجد نفسه وسط نظام مختلف "وكأني عود درة في غيط كمون" في نفس السياق كان لطلب العلم أغانٍ في الستينيات؛ مثلا أغنية لنفس الشاعر غناها عبدالحليم حافظ كانت تطالب بالعلم الملتزم بحل مشكلات المجتمع يقول فيها:
(إن لم يكون العلم مصباح الغلابة
ان لم يزيح العتمة والخوف والضبابة
فلا فايدة في كتابك ولا سهرك وعذابك)
 
- لو فكرنا قليلًا سنجد الأغنية تطالب الطبيب مثلًا أن يبحث في علاج مرض متوطن يعاني منه الناس، ولا يصبح طبيب تجميل يبحث فقط عن المال أو الشهرة.. وهكذا في كل المهن.
 
- المعركة اليوم قوية بين الوعي الحقيقي، وبين الجهل والانزلاق لعالم من التفاهة التي تنحدر بحياتنا أكثر وأكثر، والانتباه وجب إلى أن تسترد مجتمعاتنا قيمة العلم وقيمة المعرفة وقيمة الجدية في الحياة، لعل وعسى أن نعيش ونتعلم ونعمل كما يليق بنا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
أماني القصاص تكتب: الله يدعو

في كل يوم وساعة يدعونا الله، ويفتح لنا أبواب القرب والود والقبول، له بالطبع أيام أقرب من أيام وأفعال أقرب من أفعال وكلمات أقرب من كلمات، يرشد أرواحنا بوصايا ورحمات جميعها لوصل واتصال وود ومحبة

أماني القصاص تكتب: طلاق غيابي

منذ أيام وفي خطاب هام أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي علي تعجبه من انتشار دعوات تحقير المرأة لدرجة السماح بالاعتداء عليها أو ضربها، رغم أن حضارتنا وأخلاقنا ودياناتنا تمنعنا عن ذلك

أماني القصاص تكتب: اضربوهن

لماذا نجادل اليوم في رجل يريد تربية زوجته وإجبارها على طاعته واحترامه والخوف منه؟ ومن الذي يمنع الزوج عن ضرب زوجته

أماني القصاص تكتب: أصحاب السينما

ضجة عارمة أثارها فيلم أصحاب ولا أعز المعروض علي منصة نتفلكس بسبب جرأة موضوعه وطريقة تناولها، لم أشاهد الفيلم للأسف ولم أقف عنده كثيراً لكن توقفت عند طوفان التأييد المطلق

أماني القصاص تكتب: الدولة والمعيلات

شابة مصرية لا توفق في زواجها رغم إنجابها أربعة أطفال أكبرهم ثمانية أعوام والأصغر عامان، كالمعتاد يتخلى الرجل عن الأسرة وتُجبر المرأة أن تتولى رعاية الأربعة

أماني القصاص تكتب: تساؤلات حول واقعة معلمة الدقهلية .. والتعليم أيضًا

سيدة شابة جميلة، تتطوع وتجتهد وتعلم أبناء الناس في إحدى المدن الحكومية المصرية، وتحصل على جائزة المعلمة المثالية بإجماع الآراء، تخرج السيدة ذات يوم في

أماني القصاص تكتب: الأخ بين المفترض والواقع

ألقتْ بكَ المقادير في يمِ الحياة طفلًا يتيم الأبوين فقيض الله لكَ أختًا ما كانت امرأة سوء ولا بغيًا، بصرت بك عن قربٍ وأنت لا تشعرْ

أماني القصاص تكتب: "يعني إيه راجل"؟

قد لا نحتاج في مجتمع آخر غير مجتمعنا المصري أو العربي لطرح مثل هذا السؤال البديهي المراوغ: يعني إيه راجل ؟ سؤال جاد جدًا ليس فانتازيًا

شيرين وغرفة التذكارات السوداء

نحمل ما اختبرناه في طفولتنا على أكتافنا طوال حياتنا، فالطفل الطبيعي بين أسرة سوية يهون حمله في الحياة مهما واجه بعد ذلك، والطفل المعذب يظل حمل الألم يؤرقه طوال عمره،

أماني القصاص تكتب: الدولة المصرية وواحة سيوة

طريق طويل يبعدنا عنها، سمعت كثيرًا عن عدد ساعاته وصعوبته، وعن مطار موجود قد يعمل أحيانًا بشروط صعبة، ورحلات توقيتاتها غير محددة وبأسعار مبالغ فيها

البابا فرنسيس .. فقير وراء جدران الفاتيكان

لم توجد الكنيسة لتدين الناس بل لتضعهم وجهًا لوجه مع المحبة الخالصة النابعة من روح ورحمة الله

قائمة مريم

من يؤتمن على (العرض) يؤتمن على المال!!