Close ad

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: التزييف العميق ووعي المواطن

12-2-2022 | 15:19

في مارس 2021 ، أثارت مقاطع فيديو على تطبيق "تيك توك" ضجيجًا عالميًا حين ظهر النجم الأمريكي المحبوب "توم كروز"، وهو يؤدي خدعة سحرية بعملة معدنية، ثم ينتقل لممارسة لعبة الجولف، ويتحدث قليلًا عن تفاصيل لقائه مع الرئيس السوفيتي ميخائيل جورباتشوف.
 
الضجيج العالمي لم يكن لتصريحات توم كروز عن جورباتشوف، أو قدرته على الخدع السحرية، ولكن لأنه لم يكن في الأساس هو توم كروز.
 
نعم، لم يكن كروز شخصيًا هو من كان بالفيديو، ولولا اختلافات بسيطة في الفيديو، كانت الحيلة قد مرت على الجميع، فتوم كروز المزيف كان أطول من كروز الحقيقي، كما أنه يبدو في عمر أقل سنًا وشبابًا من توم الأصلى.. واتضح فيما بعد أن أحد المحبين للنجم الأمريكي قد قام بتركيب وجهه عبر تقنية "ديب فيك" deep fake .. أو ما بات يعرف حاليًا بتقنية "التزييف العميق".
 
الفيديو في وقته حقق قرابة 12 مليون مشاهدة وتناوله العديد من البرامج والمحطات الفضائية بالتحليل والنقد.. لأنه أثار مخاوف عديدة وأثار تساؤلات كبيرة حول ماهية "التزييف العميق"؟! ومدى ضرره ومدى نفعه؟!
 
عودة للخلف عدة شهور، في ديسمبر 2020 ظهر فيديو مزيف يحاكي الملكة إليزابيت في خطابها للشعب البريطاني لرأس السنة، فيديو أحدث ضجة كبيرة لشدة تطور التقنية التي جعلت الملكة كأنها حقيقية صوتًا وصورة.
 
بعدها ظهرت مساعٍ من الحكومة في بريطانيا بشأن تقنية "التزييف العميق" ولجعل إنشاء فيديوهات مزيفة دون الحصول على موافقة أمر غير قانوني.
 
خطوة أخرى للخلف صيف 2020 انتشر على نطاق واسع فيديو ملفق لرئيسة وزراء نيوزيلندا، جاسيندا أرديرن، تدخن الكوكايين، اتضح فيما بعد أنهم زيفوا وجهها ووضعوه على فيديو لاقى رواجًا على "يوتيوب" التُقط عام 2019.
 
خطوات كثيرة للخلف يونيو 2019 انتشر فيديو بتقنية "ديب فيك" (Deep Fake) يظهر مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرج متحدثًا عن سيطرته على بيانات مسروقة للمستخدمين.
 
خطوة أخيرة للخلف من أين بدأت هذه التقنية؟ وكيف ستكون مستقبلا؟! 
أنقل لكم ما نشرته عدة مواقع معتبرة أن تطبيق "ديب فيك" ظهر للمرّة الأولى في عام 2014، وابتكره إيان جودفيلو Ian Goodfellow طالب الدكتوراه الذي يعمل في شركة آبل الآن، يعتمد التطبيق على إحدى الشبكات العصبية الصناعية التي تدعى GAN، والتي ترمز إلى “Generative adversarial networks”، وتعطي هذه الشبكة قدرةً هائلةً للخوارزميات المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي لننتقل إلى بعدٍ مختلفٍ تمامًا، فبدلًا من تصنيف البيانات البسيطة أو التنبؤ ببعض الحقائق، بفضل تطبيق "ديب فيك" أصبحنا قادرين على إنشاء صورٍ جديدةٍ ومقاطع فيديو لأحداثٍ قد تبدو حقيقيةً تمامًا، ولكن الفارق الوحيد أنها مقاطع كاذبة قد تم تركيبها بواسطة تطبيق "ديب فيك".. انتهى الاقتباس.
 
هل نحن بالفعل أمام تقنية مرعبة، تستغل بطريقة خاطئة وبأسلوب يجافي الواقع ويدمر المجتمعات إذا ما قام بالتجربة على صور سيدات بريئات؟!
 
نعم، هذه التقنية مرعبة بالفعل.. وقد تتسبب في تدمير سمعة العشرات بل المئات من الفتيات والسيدات خاصة في المجتمعات المحافظة وغير المحافظة.. فلا يقبل أحد تلفيق فيديوهات أو صور للسيدات (وبالطبع الرجال) في أي مجتمع وفي أي مكان.. مهما كان عمل المرأة.
 
ففي الهند انتشرت حالات كثيرة من التشهير بالنساء، خاصة العاملات في مجال الصحافة، لإزعاجهن ولإبعادهن عن متابعة قضايا كشف الفساد.
 
وفي ولاية فيرجينيا الأمريكية وصل الأمر مداه.. حين قررت الولاية جعل المحتوى الإباحي الملفق غير قانوني، ولا يسمح بمشاهدته أو نشره، فحتى لو كانت المرأة تسمح ببيع جسدها، أو أخطأت يومًا ما.. فإنه لا يجوز تلفيق فيديوهات لها.. أو تداول صور لها خارج إرادتها الحرة، وهذا أهم مبدأ قانوني في الحياة الخاصة أو الشخصية؛ لذلك لم يكن غريبًا أن كان أول اتهام أمام الصبية الذين لفقوا صورًا لإحدى فتيات قرى الغربية، هو: "تهديد الفتاة بنشر صور خادشة لشرفها، وكان التهديد مقترنًا ومصحوبًا بطلبات منها، واعتدائهم على حرمة حياتها الخاصة".
 
مثل هذه الحالات في العالم تزداد يومًا بعد يوم، خاصة مع سهولة استخدام تكنولوجيا مثل "الفوتوشوب" أو "ديب فيك".. والخوف أن تتطور هذه التكنولوجيات فلا نتمكن من معرفة هل الفيديوهات مزيفة أم لا.
 
وإن كانت ثلاث من أكبر شركات التقنية في العالم (جوجل ومايكروسوفت وفيسبوك) يعملون على توفير برامج تكشف هذا التزييف والتلفيق باستخدام تكنولوجيا تعكس عملية بناء التزييف لمعرفة كيف حدث؟! ومن أي جهة صدر؟!.. إلا أنه يبقى وعي المواطن وعدم اندفاعه وتمهله قليلًا ليفكر قبل الضغط على زر المشاركة.. 
 
وإن كنت شخصيًا أرى أن الفيديوهات والصور الشخصية لا يجوز مشاركتها ولا تداولها حتى لو كانت حقيقية وواضحة ومؤكدة..  أما بالنسبة للفيديوهات السياسية أو الفنية أو الرياضية وغيرها، فيجب علينا الذهاب إلى القنوات الرسمية لنتلقى المعلومة المؤكدة منها.
 
وليست كل تقنية التزييف العميق تستخدم للضرر أو للتلفيق.. فلقد انتشر في مصر والعالم، تطبيق "ما هيريتاج" والذي يحول الصور القديمة بالأبيض والأسود للآباء والأمهات إلى صور متحركة تعيد الروح إلى الصور الثابتة، وتعيد الذكريات إلى أصحابها.. كذلك قامت عدة شركات سينمائية باستخدام هذه التكنولوجيا في الأعمال الفنية، وحل مشكلات كثيرة في التصوير والإخراج، ولم يشعر المشاهد العادي بأي اختلاف أو نقص.
 
وبعد كل ما سبق هل تعتبرون أننا نتقدم للأمام.. أم نتراجع للخلف أو كليهما معًا؟! وهل "التزييف العميق" سحر مفزع أم سحر جميل؟!

كلمات البحث
أحمد سعيد طنطاوي يكتب: بيت السحيمي والدراما

أثارت الكاتبة الكويتية دلع المفتي، عليّ المواجع، عندما طرحت سؤالا على حسابها الشخصي في تويتر.. عن البيت الرائع الذي يظهر في مسلسل راجعين يا هوى بطولة الفنان خالد النبوي.. وهل مفتوح للزيارة

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: "مصر أرض المجددين"

في رمضان هذا العام، لا يفوتني برنامج مصر أرض المجددين ، فهو وجبة دسمة فى التاريخ والدين والتراث والمواقف والمآثر عن عظماء مروا على أرض الكنانة، أثروا

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: تدبر آيتين من سورة البقرة

مع دخول شهر رمضان، أسارع أنا وغيري بالإمساك بالمصحف ونبدأ بقراءة القرآن، الكل يحاول أن يجتهد على قدر استطاعته، فمنا من يختمه قبل انتهاء الشهر، ومنا من