Close ad

شريف سعيد يكتب: حدث في القرن الثامن عشر (3-3)

30-1-2022 | 14:55

عقب صيف 1749، أصبح الفرنسي "جان جاك روسو" بالسابعة والثلاثين من عمره، أحد أشهر عقول باريس، عقب فوزه بجائزة أكاديمية "ديجون" ببحثه المُقدم عن كيف يمكن للمدنية وترفها الباذخ المبالغ فيه، أن تؤدي لفساد المجتمع وهلاكه، بما تنطوي عليه من تعميق حالة اللا مساواة، وهو ما يتبعه انهيارٌ للبنيان الحضاري. يقول: "انظروا إلى مصر مدرسة العالم ذات الجو الخصيب والسماء الصافية، انظروا إلى هذه المملكة المجيدة التي خرج منها سيزوستريس ليحكم العالم، فإنها ما لبثت أن أصبحت أم العلوم والفنون حتى أغار عليها قمبيز ثم اليونان ثم العرب والترك أخيرًا". اندثار الحضارة المصرية القديمة مثالٌ صارخٌ ساقه روسو لبرهنة فكرته. رأى أن نجاة الإنسان بحضارته مرهونة بسعيه للعودة إلى حالته الأولى وأخلاقه الفطرية، حين كان الجميع سواسية قبل تلوثهم بهذا السباق المحموم نحو زيف المادة وأحلام التملك. رُبما روسو كان زاهدًا بكل شيء إلا الإفراط بالحب!

لاقتْ رومانسية أطروحات روسو قبولًا واسعًا. هوجم كثيرًا وأيضًا تكاثر معجبوه ومعجباته، حتى أن إحداهن "مدام دبناي" ومن فرط ما راق لها الرجل وأفكاره، ولأجل توفير الحالة الإنسانية الزاهدة الأولى التي يصبو إليها، شيدت له بحديقة قصرها المطل على الغابة، بيتًا صغيرًا يقيم فيه كصومعة مع شريكته "تريز" كي يتدبر ويحب ويدون. هناك خط روسو أجزاءً  كبرى من روايته "جولي" وكتابيه الشهيرين "العقد الاجتماعي" و"التربية"، لكن كتاباته لم يكتب لها الكمال بالقصر بسبب ما تم اكتشافه! ولعتْ مدام دبناي بروسو حتى أنها بمذكراتها وصفت ما تشعر به في الكلام معه قائلة: "إنك لا تتصور مبلغ ما كنت أجده من اللذة في محادثته"، ورغم تقديرها له وقبولها بوجود تريز، إلا أنها صُدمت بحب توهج بين روسو وزوجة أخيها، والتي تملك وجهًا أتلفه الجدري وقوامًا رائعًا! إثر هذا الكشف المذهل كان على روسو وتريز مغادرة المكان.

عام 1760ظهرت الطبعة الأولى لروايته "جولي" على هيئة رسائل غرامية متبادلة بين عاشقين، محدثة ثورة كبرى بعالم الأدب ومؤسسة لمذهب رومانسي بتالي السنوات، بعدها صدر كتابه "العقد الاجتماعي"، ورغم ثورية أفكاره عن علاقة الحاكم بالمحكوم والإنسان وحقوقه والمساواة، إلا أن ما فتح عليه الباب الحقيقي للجحيم هو كتاب "التربية"! فبسببه أصدر البرلمان قرارًا بالقبض عليه يوم 9 يونيو/ حزيران 1762 على أن يكون القبض عليه السابعة صباح اليوم التالي، حتى يتاح له الفرار، لم يودوا القبض عليه وسجنه بالباستيل حتى لا يهيجوا الناس! علل البرلمان القرار بأن أفكارًا بالكتاب تخالف العقيدة المحترمة بالمملكة، وأنه وضع اسمه على الكتاب! لم يفعل روسو ما كان يفعله معاصره فولتير الذي كان يكتب دون وضع اسمه على كتبه، وإذا سُئل عنها قانونًا أنكرها! وضع روسو يده بعش الزنابير حين أغضب ببعض أفكار الكتاب أسقفية باريس، التي رأت أنه هدد سلطان الكنيسة وزعزع مكانة رجال الدين، وأقر مكانة سامية لكل الأديان، وأباح الاجتهاد بأوسع معانيه. هرب روسو قبل القبض عليه وقضى ما تبقى من عمره طريدًامن بلد لبلد، لا يؤنس وحشته سوى حِضن تريز.

توفى روسو مبتدأ يوليو/ تموز 1778  متواريًا بأطراف باريس خشية الاعتقال، لم يدرك أن ثورة فرنسية سوف تندلع عقب 11 عامًا وأن كلماته ستستحيل إنجيلًا لها. لم يعرف أن أديبًا مصريًا كبيرًا اسمه "محمد حسين هيكل" سوف يأتي بالقرن العشرين ليؤلف كتاب "جان جاك روسو.. حياته وكتبه"، وأني في القرن التالي سوف أفتح هذا الكتاب القديم لأستقي هذا المقال.

 

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر: twitter.com/sheriefsaid

كلمات البحث