الرأى

الشماتة

27-1-2022 | 15:35
الشماتةالشماتة

 

دكتور / جميل جورجى

                                                                                 [email protected]

فيما يبدو أن عوامل التعرية والنحر قد أمعنت النحر فى "نظام القيم الاجتماعى" لدينا فأتت عليه مما أوصلنا إلى تلك الدرجة من الممارسات والتصرفات السلوكية الغريبة والشاذة عن مجتمعاتنا وعاداتنا وتقاليدنا وما نشأنا وتربينا عليه من قيم ومبادئ وأخلاقيات التى  من خلالها  نحكم على الخطأ والحرام.. لقد تغيرت الكثير من سلوكياتنا  وعاداتنا بداية من عدم التوقير للكبير وضعف المحبة والعطف تجاه الآخرين والوقوف إلى جانبهم فى الشدائد والأزمات ومشاطرتهم الأفراح والأطراح .. وقد أصبحنا أمام سلوكيات وصور غريبة علينا منها عقوق الوالدين وقطع الأرحام بل وقتل الأخ لأخيه والابن لأبيه والتعدى علي الوالدين بالضرب والإهانة .. من تلك الممارسات نتيجة التدهور الذى لحق بالنظام "القيمى والأخلاقى" هى "الشماتة" أو ما يطلق عليها الفرح الخبيث" نتيجة وقوع مكروه لعدو أو شخص مختلف معك أو منافس لك والذى قد يصل إلى حد الموت .. وهو ما يعد انحرافا ليس فقط عن "القيم والأخلاق" بل ومبادئ وتعاليم الديانات السماوية التى تحض على المحبة والتسامح والغفران ومقت الشماتة والفرح فى مصائب الآخرين ..  تؤكد "الدراسات الاجتماعية" على وجود علاقة ما بين الحسد  والشماتة إذ عندما يزداد منسوب الحسد فى الإنسان نتيجة تلك "المقارنات الاجتماعية" التى يعقدها بينه وبين من هم أكثر غناً أو تفوقاً  عنه ولاسيما الذين يشتركون معه فى الأرضية الاجتماعية وكلما زاد ما لديهم من امتيازات كلما زادت درجة الحسد  .. وعلى نفس المنوال كلما زادت "درجة الحسد للشخص"  كلما زدات درجة الفرح والشماتة عندما يمر ذلك الشخص بضائقة أو يقع له مكروه أو مصيبة .. أن ذلك الشعور الغامر بالفرح الناتج عن الشماتة لا يكون بنفس المقدار عندما تتساوى الوضعية الاجتماعية للشخص الشامت مع المشموت فيه عما لوكان فى مرتبة اجتماعية أعلى .. ويؤكد "علماء النفس" على تلك الحقيقة وهى أن المخ يميل إلى الاحتفاظ  بالتصور والإدراك الذاتى الإيجابى بينما يعد "الحسد" نتيجة تلك الحالة من الصراع بين المعلومات الناتجة عن "المقارنة الاجتماعية "مع  التصور والإدراك الذاتى الإيجابى للمخ .. محصلة ذلك الصراع  هى الإحساس بعدم الارتياح والذى يترجم فى العقل إلى نوعين من الألم وهما الألم الاجتماعى الذاتى (الفشل) والرفض الاجتماعى (عدم كفاية عملية المقارنة الاجتماعية ) .. عندما يعانى المخ من الألم يقوم بشيئين وهما إما التخلص من ذلك الألم أو العمل على تقليله ويمكن أن يتم ذلك من خلال اقتضاب المقارنة ومن ثم زيادة مقدار" الشعور بالفرح" نتيجة المكروه الذى وقع للشخص محل الحسد .. وتعرف "الشماتة" أيضاً بإنها "ذلك الإحساس أو الشعور الغامر بالسعادة والرضا الذاتى فهى تعنى الإحساس بالانتشاء والانتفاض وتهللاً ورقصاً طرباً تعبيراً عن الانتصار عندما يحرز فريقك الفوز على الفريق المنافس .. من هنا يثور التساؤل هل الشماتة تعد شيئا سيئا ؟  الحقيقة هى أن فى الكثير من الأحيان ما يتم دفع وتشجيع البعض على القيام بالتمييز  والجور وممارسة العديد من التصرفات غير السوية لذلك تعد الشماتة من قبيل الأعمال السيئة التى يتم من خلالها تصنع الإحساس بالفرح .. ويتم ذلك من خلال إفراز مادة "الدوبامين" التى يفرزها المخ وهو ما يصبح  معه هناك فرصة للإدمان والمعاقرة لذلك الإحساس بالشماتة .. وعلى الرغم من ذلك يؤكد "نيتشا" على أن درجة الفرح  الناتج عن "الشماتة" تختلف عن ما يسمى "بالفرح الخبيث" أو بعبارة أخرى أن درجة  الفرح والإحساس بالسعادة الناتجة عن الشعور بالعداوة تجاه الآخرين ليست على نفس الدرجة  .. إذ إن ذلك  الفرح الناتج عن سوء الحظ أو الهزيمة المباشرة أو الفشل المستحق يختلف عن تلك الفرحة الناجمة عن كافة الأنواع التى مصدر الشماتة  .. ومن المؤكد أن أحد الأسباب التى تؤدى إلى "الشماتة هى الصراعات" والمنافسات بين الفرق أو الأطراف مثل تلك الفرحة التى تغمر فريق ما عندما لا يحالف الفريق المنافس له الفوز فى مباراة مع فريق آخر وهو ما يعد مقبولاً اجتماعياً.. أن تلك "الدراسة الاجتماعية" التى أجرتها  عالمة النفس "سوزان فيسك"  حول الصورة الذهنية قد وضحت عندما نال فريق كرة السلة المنافس له هزيمة من منافس آخر مما أطلق نشاط عقلى أكبر بالإحساس بالفوز عنن فوزهم على فريق فى نفس مستواهم  .. نفس الأمر يحدث فى "المجال السياسى " الذى يعد مجالاً خصباً للشماتة وعلى نحو أكثر وضوحاً فى تلك الاحتفالات الحزبية التى أقيمت عند وفاة  "مارجريت تاتشر".. أن "الشماتة "يتم تغذيتها من خلال  مجموعة من مشاعر الإستياء  والغضب والتنافسيىة التى تحرك الجانب المظلم من الطبيعة البشرية الذى يقود  ويدفع البشر للسعى إلى الشماتة والفرح فى مصائب الآخرين .. ويعلق "ريتشارد سميث قائلا: "إن تلك هى العملية التى تقف وراء "الدعاية النازية "التى تم تصميمها لكى ما تثير مشاعر الاستياء والغيرة والبغضة تجاه الشعب اليهودى ولكى ما تقدم نوعا من التبرير لاضطهادهم.

 

اقرأ أيضًا:
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة