ذاكرة التاريخ

من بلاد القياصرة لبيت لحم.. سانت كاترين المحطة الكبرى على طريق الحجاج الروس خلال 300 سنة

25-1-2022 | 12:30
من بلاد القياصرة لبيت لحم سانت كاترين المحطة الكبرى على طريق الحجاج الروس خلال  سنة كنائس وآثار مسيحية على طريق الحج في سيناء
محمود سعد دياب

يعتقد الكثيرون على سبيل الخطأ أن العلاقات بين مصر وروسيا شهدت أوجها فقط في عهد الزعيم جمال عبد الناصر، بعدما كانت اقتصرت على مقايضة القطن المصري بحبوب وأخشاب من الاتحاد السوفيتي عام 1948م في عهد الملك فاروق والزعيم جوزيف ستالين.

وبينما شهدت فترة الخمسينيات والستينيات تعاونًا مثمرًا في تحديث الجيش المصري وبناء السد العالي، فإن عمر العلاقات الحقيقي تمتد لأكثر من 300 عام مضى، وتشهد مخطوطات مكتبة دير سانت كاترين وأيقوناته على ذلك، وأيضًا الحجاج الروس إلى دير سانت كاترين والهدايا الروسية وكتابات الرحالة الروس تشهد بعمق الروابط الحضارية بين مصر وروسيا.

بدوره يقول خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمي بمناطق آثار جنوب سيناء، إن مكتبة دير سانت كاترين هي المكتبة الثانية على مستوى العالم بعد الفاتيكان، من حيث أهمية مخطوطاتها، حيث تضم مخطوط الكتاب المقدس باللغة الروسية، والذي يعود إلى القرن الحادي عشر ومطلع الثاني عشر الميلادي، ومخطوطة الرسول إبركوس ذات التقويم الشهري.

كنائس وآثار مسيحية على طريق الحج في سيناء

 كما أثرت سانت كاترين وقصتها الشهيرة في أنحاء روسيا لدرجة أن أول وسام نسائي في روسيا القيصرية، عام 1714م كان باسم القديسة كاترين، كما ذكرت الأهرامات المصرية لأول مرة في الأدب الروسي في كتاب المسيرة لفارسانوفيا، وذلك طبقًا لما جاء في كتاب "الروس عند مقدسات سيناء" لفلاديمير بلياكوف، والذي ترجمته منى الدسوقي الصادر عن دار نشر أنباء روسيا.

ويشير الدكتور ريحان في دراسة أعدها، إلى كتابات الحجاج الروس الذين جاءوا إلى سيناء ومنها كتابات فاسيلى جوجار عام 1634م، وفيشينسكى عام 1708م، وكيربرونوكوف عام 1821م، وبعد تأسيس هيئة الملاحة والتجارة الروسية عام 1856م نقلت 12 ألف راكب غالبيتهم من المقدّسيين، وفى عام 1878م تم إنشاء أسطول تطوعي بين مصر وروسيا، وكان الحجاج الروس يعيشون على نفقة دير سانت كاترين، وكان البعض يتبرع بالأموال والهدايا الثمينة للدير.

وقد بُنيت كنيسة القديس جورج رايفسكى بدير الطور في تل الكيلاني في نهاية القرن التاسع عشر من تبرعات الروس، مضيفًا أن الأيقونات الموجودة بها من أعمال الروس كما تم تصنيع أربعة من مجموع تسعة أجراس معدنية بدير سانت كاترين فى روسيا وأهديت للدير وقد كُتب على أحد الأجراس "تم تصنيع هذا الجرس في موسكو في مصنع ديمتري سامجين".

ويوضح الدكتور ريحان أن حقبة السبعينات من هذا القرن شهدت زيارة دير سانت كاترين، من قبل المهاجرين الروس والعاملين بالمؤسسات السوفيتية بمصر، ويتضح ذلك من خلال توقيعات سجل زيارة سانت كاترين، كما يضم الدير مجموعة من الأيقونات الروسية منها "أيقونة التجلي" المرسومة في موسكو في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، و"أيقونة الصعود" المصنوعة في موسكو على يد الرسام ماكار استاتكوف، ونُقلت للدير عام 1610م وأيقونة "ميلاد السيد المسيح" التي تعود للقرن السابع عشر، وهناك ثلاثة أيقونات مكتوبة بالروسية تعود إلى القرن الثامن عشر الميلادي.

كنائس وآثار مسيحية على طريق الحج في سيناء

ويتابع الدكتور ريحان، مؤكدًا بأن الروس كانوا من الرواد في عملية البحث والدراسة لكنوز الدير، ومنهم أومانيتس أول من وضع دراسة تفصيلية للدير بعد زيارته له عام 1843م، وأبحاث بورفيرى التي أثمرت من عام 1804 إلى 1885م عن كتاب أوسبينسكى المقدس، وأربعة كتب منها ألبوم يحمل رسومات ومخططات، وكتاب تحليل لدساتير سيناء المعروفة، مضيفًا أن بينيشيفيتش نشر أول وصف لمعالم الدير، وكتاب "وجوه ذهبت إلى سيناء وأعمال حول سيناء"، خلال رحلته لدير سانت كاترين عام 1881م، كما أصدر ألبوم سيناء من مائة صورة يشمل معالم الدير ورسومات للمخطوطات، وقام دميتريفيسكى الأستاذ بأكاديمية العلوم الدينية فى كييف عام 1888م بتوصيف 511 أيقونة، كما صدر له العمل الضخم "توصيف المخطوطات الليتورجية المحفوظة في مكتبات المشرق الأرثوذكسى"، في ثلاث مجلدات.

ويتابع الدكتور ريحان بأن قياصرة روسيا اعتبروا أنفسهم ورثة الإمبراطورية البيزنطية، فاهتموا بدير سانت كاترين وبالدير هدايا كثيرة من روسيا منها تابوتان من الفضة بهيكل كنيسة التجلي رسم على غطاء، كلًا منهما صورة القديسة كاترين مصنوعة من الذهب الخالص المرصع بالأحجار الكريمة، وأن التابوت الأول إهداء من قيصر روسيا بطرس الأكبر عام 1688م، والثاني إهداء من إسكندر الثاني 1860م  واستخدما التابوتان في حفظ الهدايا الثمينة.

كنائس وآثار مسيحية على طريق الحج في سيناء

ويوضح الدكتور ريحان أن الهدايا تضمنت الهيكل الفضي الذي يحوى رفات سانت كاترين، أرسله القياصرة الروس عام 1689م وتاج المطران الذى أرسله القيصر ميخائيل فيودوروفيتش للدير عام 1642م من الفضة المذهبة ومزين باللؤلؤ والأحجار الكريمة، ولوح ثلاثي فضي مطلي بالذهب عليه صورة سانت كاترين مزينة بالذهب واللؤلؤ وخمس ثريات متدلية من سقف كنيسة التجلي، مصنوعة من الفضة والكريستال أرسلته الإمبراطورة الروسية إليزابيث بيتروفنا وتتم إضاءتها في الأعياد والمناسبات الدينية.

ويضيف الدكتور ريحان أن رحلات حج الروس إلى سانت كاترين، لم تنقطع في أي فترة من الفترات عبر تاريخ الدير وأثناء زيارة نعوم بك شقير لدير سانت كاترين عام 1906م وجد أن هناك رحلات حج مستمرة للروس يزورون الدير رجالًا ونساءً كل عام ومتوسط عدد الزوار 200 فرد في العام وتدوم زيارتهم للدير ثمانية أيام يزورون خلالها الجبل المقدس، وضواحي الدير وكانوا يأتون عادة بعد زيارتهم إلى القدس فى عيد الميلاد وعيد الغطاس أو يأتون مباشرة من بلادهم لحضور عيد القديسة كاترينا كل عام.

وأوضح الدكتور ريحان أن الرهبان يحتفلون بهذا العيد احتفالًا بالغًا، وقد اهتمت الدولة حاليًا بهذا الاحتفال الذي أصبح ملتقى سنوي للأديان والحضارات، بحضور شخصيات دولية ومحلية هامة، مشيرًا إلى أن الروس كانوا يأتون إلى سيناء عن طريق السويس ثم يبحرون إلى ميناء الطور ومن الطور بريًا إلى سانت كاترين، بعد زيارة الأماكن المقدسة بالطور بجبل الناقوس وحمام موسى، والبعض كانوا يحضرون من السويس بطريق البر إلى سانت كاترين ومنه إلى مدينة الطور، وفى مدة إقامتهم بالدير ومراكزه بالسويس أو الطور أو القاهرة يتكفل الدير بنفقتهم وكان بعضهم يقدم نذورًا للدير من نقود وحُلى.

كنائس وآثار مسيحية على طريق الحج في سيناء

ويقول الخبير الأثري الدكتور عبد الرحيم ريحان، إن فكرة الحج نبعت أساسًا في الديانة المسيحية من شعور المسيحيين منذ وقت مبكر بالرغبة القوية في أن يروا بأنفسهم المواقع التى قام فيها الأنبياء والقديسون للتبشير بالدين الجديد، وقد أسهمت الرحلات المقدسة إلى بيت المقدس بدور كبير في حياة مسيحي الغرب، ولم يقف بُعد المسافة بين الأقطار وبين بيت المقدس حائلًا دون القيام بها.

وأكد في دراسته، أن فكرة الرحلة المقدسة للقدس لم تتوقف عند فترة معينة من التاريخ، بل استمرت متواصلة واشتدت حركتها بعد تشييد كنيسة القيامة، مضيفًا أن الحج المسيحي كان نادرًا في أيام المسيحية الأولى في القرنين الأول والثاني الميلاديين، حيث كانت السلطات الرومانية لا تشجع الارتحال إلى فلسطين، ولم يكن الترحال بهدف التبرك بالمدينة المقدسة أمرًا ميسورًا، حيث كانت المدينة عبارة عن أطلال بعد أن دمرها تيتوس عام 70م، وبقيت كذلك إلى أن أعاد الإمبراطور الرومانى هادريان بناءها وأطلق عليها مدينة إيليا الرومانية، غير أن المسيحيين كانوا يتذكرون المكان الذي وقعت فيه أحداث حياة السيد المسيح عليه السلام.

وأشار ريحان إلى أن المسيحيين فى القرن الثالث الميلادي عرفوا الكهف الذي ولد فيه السيد المسيح عليه السلام في بيت لحم معرفة جيدة، وبدأ ارتحالهم إلى هناك وإلى جبل الزيتون،، لافتا أن الهدف من زيارة هذه البقاع المقدسة هو الصلاة واكتساب الفضائل الروحية، إلا أن التطور البارز فى فكرة الحج إلى القدس حدث في عهد الإمبراطور قسطنطين أول الأباطرة المسيحيين (323 – 337م) الذي أوقف الاضطهاد الذي لحق بالمسيحية، وقامت أمه الإمبراطورة هيلانة بزيارة القدس من أجل الكشف عن رفات السيد المسيح والحصول على كافة متعلقاته، ويقال إنها عثرت على خشبة الصلب، ودعّم قسطنطين اكتشافها ببناء كنيسة القبر المقدس، ومنذ ذلك الحين صارت الرحلة المقدسة إلى تلك البقاع تقليدًا قائمًا لدى المسيحيين.

كنائس وآثار مسيحية على طريق الحج في سيناء

وقد شهد منتصف القرن الخامس الميلادي ذروة إقبال الحجاج المسيحيين على القدس، وساعدت التجارة عبر شواطئ البحر المتوسط على الترابط بين الشرق والغرب، وفى القرن السادس الميلادي وجدت مدونات كتبها مسيحيون غربيون ارتحلوا شرقًا في سفن تجارية سورية أو يونانية وكان التجار ينقلون الأخبار والقصص الديني عند نقلهم المسافرين والبضائع.

وفى القرن السابع الميلادي وبعد الفتوحات الإسلامية ودخول الشام بما فيها فلسطين تحت السيادة الإسلامية، ونتيجة سياسية المسلمين فى التسامح الديني تجاه الأماكن المقدسة زاد عدد المسيحيين المرتحلين إلى بيت المقدس فى خلال (القرن الثاني الهجري - الثامن الميلادي)، وازدهر عند نهاية هذا القرن ازدهارًا شديدًا من خلال توطد العلاقات بين الدولة العباسية والإمبراطورية الكارولنجية خاصةً خلال عهد هارون الرشيد.

وأضاف أن هناك وثيقة تاريخية تدل على مدى تسامح المسلمين تجاه قضية رحلة المسيحيين إلى بيت المقدس، تعرف باسم «مفكرة بكنائس بيت المقدس» وتحوى حصراً لكنائس وأديرة مدينة القدس والمناطق المجاورة لها وكذلك أسماء الشمامسة والأساقفة والرهبان الذين يقومون بالخدمة في تلك المؤسسات الدينية المسيحية، وقد كتبت هذه الوثيقة فى ظل العلاقات الودية بين الخلافة العباسية والإمبراطورية الكارولنجية، وأنه من المستحيل إنجاز ذلك العمل الكبير الدقيق أو الطابع الإحصائي دون أن يكون ذلك من خلال موافقة رسمية. وقيمة هذه الوثيقة أنها توضح أن المؤسسات المسيحية في فلسطين كانت تعيش مرحلة مهمة من الازدهار حينذاك.

ونتيجة العلاقات الحسنة بين شارل العظيم والخليفة هارون الرشيد توافد عدد كبير من المسيحيين إلى القدس من بينهم بعض النساء ومع بداية (القرن الرابع الهجري - العاشر الميلادي) بدأ العصر العظيم للحج المسيحي.

وأشار إلى أنه يوجد طريقان مشهوران للحج عبر سيناء، طريق شرقى وطريق غربي، أمّا الطريق الشرقي فهو للمسيحيين القادمين من القدس إلى جبل سيناء ويبدأ من القدس إلى أيلة (العقبة حاليًا) إلى النقب ثم وادي الحسى إلى وادي وتير الذى تتوفر فيه المياه من بئر الحسى وبئر صويرا، ويجاور وادى وتير أيضًا عين فرتاقة وبها جدول صغير يفيض بالماء طوال العام، ثم يسير الطريق في وادي غزالة إلى عين حضرة ثم وادي حجاج وبه تلال من حجر رملي بها نقوش نبطية ويونانية وأرمينية ثم يسير إلى سفح جبل جونة إلى وادي مارة ثم يدخل سفح جبل سيناء، وطول هذا الطريق حوالي 200كم من أيلة إلى الجبل المقدس الذي أطلق عليه عدة أسماء منها جبل موسى وجبل سيناء وجبل المناجاة.

طريق الحج القديم للحجاج المسيحيين إلى دير سانت كاترين

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة