ذاكرة التاريخ

من بلاد «الشمس المشرقة» إلى «عين شمس».. رحالة ياباني يوثق حالة مدينة المطرية قبل 100 سنة

24-1-2022 | 15:29
من بلاد ;الشمس المشرقة; إلى ;عين شمس; رحالة ياباني يوثق حالة مدينة المطرية قبل  سنةقرية المطرية مطلع القرن العشرين
محمود سعد دياب

 من المفارقات الطريفة أن الشمس التي يقدسها اليابانيون منذ مئات السنين، قدسها المصريون القدماء قبلهم منذ آلاف السنين، وبينما أطلقت اليابان على نفسها لقب "بلاد الشمس المشرقة"، أدى الاحتلال الروماني إلى نهب آثار مدينة الشمس "أون" بمنطقة المطرية، لكي تملأ المسلات المصرية ميادين أوروبا، وبالأخص العاصمة الإيطالية روما، تلاها تفريط أسرة محمد علي في عدد آخر من المسلات، واحدة في باريس الفرنسية وأخرى في لندن البريطانية، وآخرها مسلة أخرى أهداها الخديو توفيق إلى واشنطن الأمريكية مقابل زيادة التبادل التجاري.

عراقة المصريين القدماء وأسبقيتهم في تقديس الشمس وتخصيص إله لها هو الإله "رع"، دفعت الكاتب الياباني «توكوتومي كينجيرو» وزوجته «أي كينجيرو»، إلى زيارة مدينة الشمس المقدسة بالمطرية، عندما زارا المحروسة، بينما كانا في رحلة دينية بالمقام الأول من بلاد الشمس المشرقة للأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين؛ بهدف الحج والتبرك بالمكان الذي انطلقت منه دعوة المسيح، كونهما كانا يعتنقان المسيحية الكاثولوكية، وأيضًا زيارة مسار العائلة المقدسة الذي اتخذته العذراء مريم وابنها المسيح عليهما السلام هربًا من بطش الحاكم الروماني اليهودي في أرض فلسطين.

 وخلال رحلتهما تلك التي استمرت عاما كاملا، وثق الياباني وزوجته شهادتهما في كتاب بعنوان "الرحلة اليابانية إلى فلسطين ومصر 1919".

وثق الكاتب حال منطقة المطرية التي كانت وقتها قرية صغيرة ليس بها سوى مسلة الملك سونسرت الأول، وحولها زراعات ممتدة وفلاحين يعملون بها، وأبقار وجاموس يربونها، حيث استرعاه مشهد الاستهتار هذا وعدم تقدير أن تلك المنطقة كانت يومًا ما مكانا مقدسا تُقام فيه الصلوات آناء الليل وأطراف النهار، كما كانت منارة علمية وثقافيةضمت أول جامعة تعلم فيها رموز العلم قديمًا، وعلى رأسهم الفيلسوف الإغريقي أفلاطون، الذي جاءها خصيصًا لطلب العلم، لكن النهضة الأوروبية رسخت أفلاطون ونشرت أفكاره خلال نهضتها في منتصف القرن السادس عشر، عندما ترجمت المؤلفات المشاركة لفلسفته التى ألفها العلماء المسلمون. 

وبينما كان التجاهل والنسيان 
مصير العلماء والفلاسفة، لم آثارهم هناك من النهب والتخريب، حيث سبق النهب الروماني قيام الغازي الفارسي قمبيز بإحراق المدينة عن بكرة أبيها، كما لم يعرف أن من أسباب دمار المدينة هو قوة فيضان نهر النيل مثلما حدث لمدينة تانيس في الدلتا.

"رجل وامرأة قدما من بلد يقدس الشمس.. شاهدا أون مدينة الشمس.. حيث كان الناس في العصر القديم يعبدون أيضًا الشمس.. هذه هي مدينة الشمس.. جئنا اليوم إلى هليوبوليس.. شيء واحد لا غير.. رمز العصر القديم ظل شامخًا يصل إلى الشمس.. في مدينة الشمس.. وبقية الأماكن تخولت إلى حقول قمح.. والعرب هنا يطلقون على المكان اسم عين شمس".. هكذا كتب الرحالة الياباني وهو يصف زيارته إلى منطقة المطرية الحالية في حي عين شمس، وقتها كانت مجرد قرية يغلب عليها طابع القرى من أراض زراعية ومواشي.

ويبدو أن كاتبنا الياباني لم يعرف أن المدينة القديمة و"معبد أون" مدفونان بالكامل تحت تلك المنطقة، كما يقول بعض المؤرخين وعلماء الآثار، وهو برأيهم أشهر معبد للشمس في مصر القديمة، ويكبر مرتين حجم معبد الكرنك، ولم يكن اكتشاف تمثالي رمسيس الثاني وسيتي الأول تحت منطقة "سوق الخميس" بالمطرية عام 2017، هو الاكتشاف الوحيد والأخير، كما أنه على ما يبدو لم يقرأ ما كتبه المؤرخ عبداللطيف البغداداي عام 1190، بأنه رأى بجوار المسلة واحدة أخرى مكسورة إلى نصفين، ولم تعد موجودة لأسباب غير معلومة، كما لم يعرف حجم المسلات التي تم اقتلاعها من المنطقة والمؤكد منها المسلة الموجودة في لندن، والأخرى التي في نيويورك، والمسلة الموجودة بالمتحف المصري منذ عهد محمد علي باشا وقبل أن يأتي للمنطقة زائرًا.

قبل أن يتوجه إلى المطرية كان الكاتب الياباني «توكوتومي كينجيرو» وزوجته، في زيارة لمنطقة شجرة العذراء مريم والبئر المقدس هناك، ومنها توجه إلى المطرية وهو يقول في كتابه: "ركبنا الحنطور مرة أخرى، واتجهنا إلى منطقة واسعة حيث توجد المسلة الفرعونية القديمة... أوه، هذه بقايا آثار هليوبوليس القديمة، وهذه أقدم مسلة في مصر. المصريون القدماء كانوا يعبدون الشمس. إله الشمس كان اسمه (رع)، ولهذا بنوا القصور وأقاموا هذه المدينة، وقد أطلق على الملوك المصريين القدماء هنا اسم ملوك الشمس، وكان الشعب يقدس الملوك ممن يعيشون في هذه المنطقة.. هنا شعرت كأنني في معبد (إيسيه) في اليابان (هو معبد شنتوي طبقًا للحوليات اليابانية ويعد أساس عبادة الشنتوي التي تقدس الإمبراطور، كما أن دستور إمبراطورية اليابان 1889 قد فرض الحرية الدينية)".

ويتابع قائلًا: "ورد في العهد القديم أن يوسف بن يعقوب (عليهما السلام) تزوج ابنة أحد رهبان أون (كان يطلق علي المنطقة مدينة أون أو مدينة الشمس) بأمر من ملك مصر، وهنا يمكن أن نشاهد آثار عين شمس القديمة (أون)، ويُقال إن في هذا المكان وجدت جامعة قديمة من العصور السابقة، وطبقًا للأساطير يقال إن موسى (عليه السلام) كان أحد أساتذتها، وهذه الجامعة ذاعت شهرتها كثيرًا، فقد كانت تنشر العلم خارج مصر، وقد ورد عليها ذات يوم الفيلسوف أفلاطون وتباحث مع فلاسفة هذه الجامعة".

ويضيف: "ويقال إنه قبل عصر المسيح (عليه السلام) كان القصر هنا محفوظًا آمنًا، لكنه اندثر بعد مدة، ومعه اندثر كل شيء! ..مر 1900 عام على ذلك الزمان، والآن لا يوجد أي أثر للعيان سوى مسلة تطاول السماء، وهي مصنوعة من حجر الكلس، وعلى جوانبها الأربعة كتابات بالهيروغليفية القديمة، ويبلغ ارتفاعها نحو 66 قدمًا، وقد ذكر لنا المرشد أن عمر المسلة 7 آلاف عامًا، لكن طبقًا لما هو مكتوب في الكتاب الإرشادي الذي اشتريته، فإن الملك الذي بناها هو أوزرتسين الأول وهو من ملوك الأسرة الثانية عشر، وربما عاش سنة 2758 ق.م، فعمر هذه المسلة 5 آلاف عامًا على الأقل".

وقد استقر الأثريون حديثًا، على أن من أقام هذه المسلة هو سونسرت الأول، أحد ملوك الأسرة الثانية عشرة، والذي حكم مصر لمدة 45 عاما، وافتتحها بمناسبة احتفاله بيوبيله الملكي، وكان يحتفل به الملوك كل ثلاثين عاما، وهناك ملوكا احتفلوا به أقل من ذلك، وكان يعتبر هذا العيد بمثابة حدث ديني وسياسي واجتماعي هام.

كما أنه أطلق على المنطقة "مدينة الشمس"؛  لكون الطقس الديني يقول إن أول أشعة شمس نزلت على الأض كانت على قطعة حجرية على شكل هرم في تلك المنطقة، ومن هنا جاءت فكرة المسلة.

 وكانت "أون" مدينة سياسية مهمة في مصر القديمة، وهي التي صدرّت للعالم فكرة الشكل الهرمي، وكانت مصدر ثقافة، فجاءها الفيلسوف اليوناني أفلاطون لتلقي العلم فيها.

أما "هليوبولس"، فهو الاسم الثاني الذي أطلقه اليونانيون على "المطرية"، حينما أتوا إلى مصر، وسألوا عن الإله المعبود في تلك المنطقة وعلموا أنه "رع" وأنه "رب الشمس" الأسطوري عند الفراعنة، فقرروا إطلاق اسم "هيليوس" بمعنى الشمس و"بولس" بمعنى مدينة ليكون المعنى "مدينة الشمس"، وكلمة مسلة أطلقها العرب على ذلك البناء المدبب في نهايته والمعنى المرادف له هو "الإبرة الكبيرة".

نعود إلى كاتبنا الذي يمضي بالقول: "حين وقفنا بجانب المسلة نتطلع فيما حولنا، لم نجد سوى الحقول والمزارع، وسنابل القمح والشعير، وهناك مراعي البرسيم الواسعة التي ترعى فيها الأبقار.. استرحنا قليلًا حيث تمتعنا بأشعة الشمس والهواء المنعش، كنا نتنفس بعمق.. آه، بقينا نحو عشرة أيام بالقاهرة، كانت أيامًا صعبة لحد ما".

ويتابع توصيف المشهد وهو يقول: "شاهدنا بئر ماء، ومن بعيد جاءت بقرة ومدت رقبتها وأخذت تشرب بصوت مسموع، بينما شاهدت بقرة أخرى باركة فوق البرسيم، تأكل ما أمامها من برسيم وعشب، شعرنا حقًا بجو المدينة القديمة، يمكننا تخيل العصر القديم، والملك الذي يبني هنا قصره وأسس هذه المدينة، ويمكننا تخيل الكهنة المصريون وتلاميذهم وعامة الناس ممن كانوا يعيشون هنا، ويوسف (عليه السلام) ووالديه وزوجته التي هي إبنة أحد كهنة أون، لم نشاهد بقايا الآثار لكننا شاهدنا بقايا أحجار، أين آثار أحفاد رمسيس الثاني؟ معظمها اختفى، لقد مرت خمسة آلاف سنة، والآن أنا أقف في الوادي الذي شهد التاريخ القديم، لكن اليوم هو الخامس والعشرون من مارس في العصر الحديث، وبدا الأمر كما لو لم يحدث أي شيء على الإطلاق، فالشمس ما زالت ترسل أشعتها على الناس والبقر وقطعان الماعز والخراف".

الكاتب الياباني «توكوتومي كينجيرو» وزوجته «أي كينجيرو» قررا الخروج في رحلة مدتها عام بعدما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها عام 1918، وأن تكون رحلتهما هدفها ديني في المقام الأول، بزيارة الأراضي المقدسة المسيحية في فلسطين، وسياحية بزيارة مصر وآثار رحلة العائلة المقدسة، التي كانت إجبارية فيما يبدو لأي شخص يعتنق المسيحية ويرغب في أداء مناسك الحج وزيارة كنيسة القيامة بالقدس الشريف، خصوصًا وأن مصر وفلسطين كانتا خاضعتين للاحتلال البريطاني، والسفر إلى القدس وقتها كما يروي كان صعبًا بالنسبة لبعض الجنسيات، خصوصًا الألمان والأتراك العثمانيون والبلغار وهم خصوم بريطانيا العظمى ودول الحلفاء في الحرب.

ولأنه لم يكن يمتلك تكلفة السفر فقد انتظر كاتبنا عام كامل بعد الحرب حتى جنى عائدات بيع كتابه "الربيع الجديد" الذي جاوز عدد نسخه المباعة 46 ألف نسخة، ثم قرر هو وزوجته خوض تجربة السفر إلى مصر ثم فلسطين، وهذه الزيارة هي الثانية له من نوعها حيث سبق وأن جاء وحده عام 1906، لكنه هذه المرة قرر اصطحاب زوجته وبدأ رحلته نهاية فبراير ووصل منتصف مارس 1919.

كلمات البحث
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة