منوعات

حكايات من الواقع.. طاقة نور

23-1-2022 | 12:00
حكايات من الواقع طاقة نورحكايات من الواقع
خالد حسن النقيب

أشعر أنى وحيدة فى الدنيا، يحاوطنى أقرباء كثيرون، ولكن روحى لم تعد ترى غير فراغ مقبض وصمت يطبق على صدرى فيخنقنى، أستجيب له راغبة فى اللحاق بأمى، لم يكن لى غيرها كأنى ما تعلقت بالدنيا إلا بها فكيف لى العيش من دونها ؟

قبل بضعة أشهر كنت أعيش حياة أخرى لا يشغلنى فيها شيء وكيف لى أن أحمل عبئا أو مسئولية و أمي تذلل لى كل عقبة و تحل أى مشكلة، تغدق على بالمال ما يفوق حاجتى، كانت لى الأم و الأب فوالدى رحل عنا و أنا بعد طفلة حتى أنى لا أتذكر ملامحه إلا من خلال الصور و لست أعنى بكلامى هذا أنى فتاة مستهترة لا تعرف قيمة للحياة أخلاقى فاسدة من فرط تدليل أمى لى بل كنت مجتهدة فى دراستى بالشكل الذى لم يجعلنى أتعثر فيها حتى فكرة الارتباط و الزواج ليست لها مكان فى نفسى فالزواج يعنى الابتعاد عن أمى و هذا ما لا أطيقه و لو عشت عمرى كله بلا زواج يكفينى وجودها فى حياتى، بعد تخرجى كانت تلح على كثيرا كى أوافق على أى عريس يتقدم لى و كنت أقول لها إن شرطى الوحيد أن يوافق من يتقدم لى على العيش معنا سويا و قبل أن يتحقق حلمها و تفرح بى التحفت الأيام بالسواد و تبدلت الفرحة بالبيت إلى حزن دفين فقد رحلت أمى فجأة بلا مرض أو أى مقدمات تمهد لى صدمة تملكت منى إلى حد الانهيار النفسى غبت معها عن الوعى فترة طويلة يقظة و أتنفس و ترى عيناى النور و لكن عقلى غائب متعلق بروحى هناك حيث هى .. حاولت خالتى و حاول أبناؤها تعويضى و تخفيف وطأة الحزن على نفسى و باءت كل محاولاتهم بالفشل و لجأت خالتى لطبيب نفسى اجتهد معى كثيرا حتى تمكن من إعادة تأهيلى نفسيا بعض الشئ و إعادتى للحياة و لكن بوعى ناقص مازال متعلقا بمن رحلت، لا أفكر إلا فيها و كيف و متى يمكن أن أذهب إليها، حاولت خالتى معى كثيرا أن تكون لى أما بديلة و لكنى لم أشعر بها، كنت أشفق عليها منى و من حزنى المريض أن يطغى عليها و ها أنا ذا أبقى على الدنيا من بعد أمى كيانا مفرغا من الحياة و لكنها حياة أشبه بالموت .
 
من حولى يروننى أسيرة لاكتئاب شديد و خالتى تبكى من أجلى لا يدرون أنى ما تماسكت بعض الشئ إلا لأنى أعرف سيأتى يوم أرحل لأمى، أراه قريبا، هى قالت لى هذا كلما زارتنى فى أحلامى، أنتظرك يا ابنتى، أريدك سعيدة، انتى قوية، أنا لم أغادرك، ابحثى عنى فى قلبك .
س . ع . الإسكندرية
 
إن الفراق هو نبع الألم الحقيقى فى حكمة الموت فمن يرحل لا يتلاشى و لكنه ينتقل إلى حياته الأبدية و التى هى الحقيقة الثابتة فى معية الحق عز و جل و لكنا فى الدنيا لا نشعر إلا بهذا الألم للفراق و هو يولد كبيرا و سرعان ما يصغر مع الوقت أيضا لحكمة ارادها الله حتى تستمر الحياة .
 
يا ابنتى جميعنا على الدنيا نعيش حالة من الانتظار الدائم لتوقيت مجهول من حكمة الله و رحمته بنا أخفاه عنا و من تأتى ساعته يرحل فى هدوء مطمئنا راضيا بما قسمه الله له فى الدنيا من عيش و عمل مقبل على أبديته المقبلة بوجل و رهبة و تطلع و يقين صادق فى رحمة الله و غفرانه مستندا على رصيد من خير قدمته يداه فى الدنيا و أحسب أن أمك من أهل الخير تظللها رحمة الله بمكان بالتأكيد هو أفضل منا فى الدنيا كثيرا فلا يحزنك ما هى فيه فهى فى خير و لكن أمر حزنك متمكن منك بأسباب التعلق الحياتى بأمك بشكل مرضى على مراحل عمرك المختلفة و لعلها رحمها الله تسببت فى هذا رغما عنها و دون قصد منها غير إنها تحبك فأنت وحيدتها و من ملأ عليها حياتها بعد رحيل الزوج و الحبيب و لكى تتخلصى من قيود هذا التعلق و أغلال الحزن ارجعى إلى من خلقك و خلق لكى أمك ألا بذكر الله تطمئن القلوب و ثقى أنك و أنت ساجدة تتضرعين إليه أن يخفف عنك آلام الفراق و يهيئ لكى من أمرك رشدا سوف تنفتح من أمامك طاقات النور و الأمل فى غد أفضل و لكى أن تفكرى فى أمر زواجك بصورة أخرى مغايرة لما فى نفسك، لما لا تفكرى أن تتمثلى أمك فى حياتها معك و تصبحى أنتى نفسك أما مثلها و ترين نفسك فى ابنتك و لعل هذا الامتداد الإنسانى فى الدنيا يكون لكى الترياق و التوازن الحقيقى لحياتك فى المستقبل إن شاء الله .
 
وصدق الله العظيم فى قوله تعالى بسورة آل عمران: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}.
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة