آراء

عبدالسلام فاروق يكتب: الحدود الملتهبة .. صراعات الجغرافيا والتاريخ

22-1-2022 | 13:19
قرأتُ كتاب (حدود مصر الملتهبة) للباحث والأديب محمد شلبي أمين فوجدتني أمام "جمال حمدان" جديد يعيد إحياء معارك القلم المفصلية حول قضايا الوطن ومشكلاته المصيرية، فالكتاب يمثل محاولة استشرافية استخدم فيها المؤلف تكنيكات مختلفة من الوصف التاريخي والبنيان الجغرافي والإيقاع الوطني من فصل لآخر.


صحيح أن كتابه السابق: (إبراهيم الورداني.. غزال البر) بدا أكثر رومانسية واقترابًا من شخصيته الإنسانية، إلا أن العمل الأول لأي كاتب يمثل دومًا مرآة ناطقة عاكسة لأهم مواصفات واتجاهات ورؤي هذا الكاتب مهما جاءت الأعمال التالية أكثر تطورًا وأشد بنيانًا وأقوى تعبيرًا.


ثمة عدة فرضيات طرحها محمد شلبي في مؤلفه الماتع (حدود مصر الملتهبة) أخضعها للفحص والتحليل.. تلك الفرضيات هي: الفرضية الأولى: هل هناك مناطق جديدة في مجال الحدود الجغرافية لم تكتشف بعد، وأن من الضروري البدء في اكتشافها وفتح الباب أمام مزيد من الدراسات نحوها.


الفرضية الثانية: أن مشكلات الحدود موجودة دائمًا وأنها تتفاقم في ظل تغير معادلات القوة والضعف، على الأقل فيما يخص منطقة الشرق الأوسط.


الفرضية الثالثة: أن هناك أزمة تعترض سبيل الوطن العربي كما تعترض غيره من الأقاليم الجغرافية الأخرى في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.. هي إذن أزمة قديمة تفاقمت لا في الدول العربية وحدها، بل في المنظومة الدولية بأكملها.


الفرضية الرابعة: هي فرضية إمكانية تجاوز أزمة الحدود في الوطن العربي، خاصة أن بعض الدراسات القديمة والمعاصرة كانت جميعها قد طرحت حلولًا، فلماذا لم يتحقق منها شيء؟!


المهم أن محمد شلبي حاول كشف واستجلاء ملابسات وأسباب عدم الالتزام بما تم اقتراحه سابقًا، أو قلة جدواه، أو قلة المؤمنين المهتمين بتنفيذه.. كما حاول إعادة صياغة مقترحات عملية قابلة للتطبيق، ربما تسهم ولو قليلًا في إقالة عالمنا العربي من عثرته التاريخية المؤقتة على المستويين: السياسي الاقتصادي، والاجتماعي الثقافي.


تكمن أهمية كتاب (الحدود الملتهبة) الصادر عن دار سنابل للنشر بالقاهرة، في كونه يعمد إلى تعبيد الطريق نحو اكتشاف مزيد من المعطيات غير المطروقة في تقييم ونقد أزمة الحدود في الدولة الوطنية الحديثة، سواء على مستوى دراسات وأطروحات المفكرين والمستشرقين الاستعماريين، أو على مستوى البنية السياسية والاقتصادية الداخلية المصابة بمشكلات الحدود، وما انتابها من تحور وتحول أو تطور.


صياغة فصول هذا الكتاب بتكنيكات هندسية متباينة كانت هي طريقته في التعريف بخطورة وأهمية قضية الحدود كأصل وأساس أغلب الصراعات القديمة المتجددة في وطننا العربي.. خاصة أن مشكلات الحدود "المصطنعة" قسمت الوطن العربي تقسيمًا، وقطعته تقطيعًا إلى دويلات متناثرة متناحرة، وهو ما ظهر جليًا بعد اتفاقية (سايكس بيكو) إبان حقبة الاستعمار البريطاني الفرنسي للوطن العربي.. الاتفاقية الملعونة التي غرست بذور فتنة نائمة إلى حين!.. سرعان ما ستندلع نيرانها المستترة ذات مساء دامٍ بين الأخوة والأشقاء، فتغدو الحدود الجغرافية المصطنعة.. بمثابة برميل بارود متفجر!!


السؤال الآن هو ما الحل؟


يدعونا المؤلف إلى وقفة مع النفس قبل السير في عراء المفاهيم، لأننا قد نتحدث، أحيانًا، عن شيء مختلف فيه وحوله، لا سيّما بالنسبة إلى أولئك الذين أسبغوا معانٍ مواربة قابلة إمّا للتوظيف متعدّد الأغراض، بحيث يضيع البعد الصحيح الذي يمكن الاحتكام إليه، وإمّا خنقه بما لا يدع مجالا للتنفّس إلا من قناة ضيقة.


أنني اتفق مع اتجاه بوصلة محمد شلبي تمامًا، وأضيف إليه أن منطقة الشرق الأوسط تمر بتغييرات عاصفة هائلة تتخلل مكوناتها السياسية الاقتصادية وبنيانها الثقافي الاجتماعي، ما يمهد الطريق لإعادة رسم خريطة جديدة للإقليم قابلة للطي أو التآكل والانكماش.. لكن بأيدينا نحن اليوم، لا بأيديهم هم!! فهل نحن غافلون أم نتغافل عن الذئب المتربص بنا، فيما نتربص ونترصد ببعضنا الدوائر.. كأننا نساق - للأسف الشديد - إلى التشتت والتشرذم المحتوم؟


الأخطر هنا أننا ما زلنا نختلق الذرائع والأوهام والترهات السياسية البالية، بل والأدهى أننا نتستر وراء مفاهيم ومصطلحات قديمة لم يعد لها وجود اليوم في ظل اكتساح مفاهيم العولمة الجديدة، من قبيل: علينا أن نحذر من السقوط في أتون الحروب المذهبية والعرقية أو الوقوع في حبائل المعارك الاستخباراتية المشتعلة هنا وهناك.. وهلم جرا من مفردات وألفاظ تزول أصداؤها أو تسقط من تلقاء نفسها.. تبعًا لاعتبارات المصالح!!


إننا حقًا في انتظار انهيار تلك الحدود إلى غير رجعة.. لا يهم متى. المهم أن يحدث؛ لأن الدول والشعوب تتطور بفعل الحاجة المشتركة، كما يتطور العلم بفضل البحث والتجربة.


وفي الخلاصة، فإن أزمة الحدود بين دول العالم العربي هي أزمة مصطنعة ارتبطت بالخطط والمؤامرات الدولية لوجودها، والمعالجة لا تبدأ بتغيير الألوان بل بتبديل الاتجاهات.


[email protected]         

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
عمالقة وأقزام!

إذا بحثت عن حقيقة مؤكدة فى التاريخ ، فهى أن له آلاف الزوايا والمعانى والوجوه .. وأن كل موقف تاريخى له ألف دلالة وتفسير، وألف ألف راوٍ .. كلهم يري التاريخ كما لا يراه الآخرون

عبد السلام فاروق يكتب: فوازيرجي برنجي!

المخرج العبقري (فهمي عبدالحميد) خريج الفنون الجميلة الذي تتلمذ على يد فنانَي الرسوم المتحركة الشهيرَين: (حسام وعلي مهيب)، كان رائدًا في ابتكار فكرة فوازير

عبدالسلام فاروق يكتب: عن زمن البدايات

فى هدوء وثقة، يتحرك تيار ثقافي جديد قديم يحمل بشريات صنف أدبي أثير لدى الجمهورين العام والخاص، ينحدر في إصرار.. يتدفق عبر قنوات رفيعة ضيقة بين أنهار هادرة من الكتب والروايات والقصص التي تستهوى الشباب

عبدالسلام فاروق يكتب: الأمية الثقافية وباء العصر!!

الأمية الثقافية وباء خطير متفشٍ من أوبئة العصر.. ومكافحة هذا الوباء لا تقل أهمية عن مكافحة كورونا وأمثاله من أوبئة تستهدف الأبدان، فيما تستهدف الأمية عقل الأمة وبنيانها الفكرى

عبد السلام فاروق يكتب: تشانغ شيان.. ومفتاح الحياة

(تشانغ شيان) هو بطل صيني قديم يُنسَب إليه الفضل في اكتشاف طريق الحرير القديم منذ نحو ألفي عامٍ مضت، أما تشانغ شيان الجديد، فهُم رؤساء الصين الثلاثة: (دنغ شياو بينغ) و(جيانغ زيمن)، و(شين جين بينغ)

عبدالسلام فاروق يكتب: استجمام.. على غدير الثقافة

ثمة كتب تقرأها لتعر ، وكتب تقرأها لأنها ضرورة وقتية وتنويرية.. ومنها هذا الكتاب عن نجم من نجوم الثقافة والفكر غادر عالمنا وأورث تلامذته مشروعاً ثقافياً

عبدالسلام فاروق يكتب: "اللانظام العالمي الجديد"!

تزفيتان تودوروف واحد من أشهر وأهم المنظِّرين والنقاد المعاصرين في العالم.. وهو مؤرخ وكاتب معاصر فرنسي من أصل بلغاري، ولد عام 1939م وتوفي عام 2017م عن عمر يناهز 77 عامًا

عبدالسلام فاروق يكتب: أعداء الأدب

هناك ما يدعى بـ الميتاسَرد ، وهو يمتّ بصلة قرابة لما يدعى الميتافيزيقا وصدقوني لا أقصد التهكم، الملل العتيد هو السبب في أن هناك موضة حديثة تغزو العالم

الأكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة