الرأى

حالة ذهنية أولًا

20-1-2022 | 17:05
حالة ذهنية أولًاحالة ذهنية أولاً

سمعنا من قبل عن "الشماعة التى نُعلق عليها أخطاءنا"، فهذه الشماعة هى التى تجعلنا نتوقف عن فعل العديد من الأشياء التى يتحتم علينا فعلها، فمثلاً إما أن نُعول على ضيق الوقت وعدم توفر الإمكانات، أو حالة الاضطهاد التى نتعرض لها، أوعدم توافر الفرص، أو غيرها من الأشياء والأسباب التى تُعيننا على تحمل فكرة أن ما وصلنا إليه كان لأسباب خارجة عن إرادتنا، ولا دخل لنا فيما يحدث.

والحقيقة أن هذه الأفكار هى فى الأساس أكبر دليل على الفقر الذهنى والنفسى، لأن هناك أشخاصًا قد تمر بذات الظروف، ولكنها لا تُقهر، ولا تتوقف عند مرحلة معينة، والفقر الذهنى هو فى الواقع حالة كساد فكري، يتوقف خلالها العقل عن نشاط بالنسبة لأمر ما، فلا يُرسل إشارات إلى بقية خلايا الجسد، لكى يُمارس نشاطًا مُعينًا كان يتعين عليه الإتيان به.

وما لا يُدركه الكثيرون أن الفقر الذهنى هو بداية وأساس الفقر المادى والمالى؛ لذا نقول فلان فقير المال، ولكنه غنى النفس، فثراء النفس يبدأ من ثراء الذهن. فأذكر موقف لـ"بيل جيتس"، أغنى رجل فى العالم، فقبل بضع سنوات حضر مؤتمرًا فى الولايات المتحدة الأمريكية حول الاستثمار والتمويل، وكان يتحدث "بيل جيتس"، فطُرِحَ عليه سؤالاً، وكان: "هل تقبل أن تتزوج ابنتك رجلاً فقيرًا؟" فأجاب على الفور: "ابنتى لن تتزوج رجلاً فقيرًا، أبدًا!!"، ثم سرد فى إجابته على صاحب السؤال قائلاً: "أولا عليك أن تفهم أن الثروة لا تعنى امتلاك حساب مصرفى كبير، الثروة هى فى المقام الأول القُدرة على تكوين الثروة، مثال: شخص يفوز باليانصيب أو اللوتر، على الرغم من أنه ربح مائة مليون دولار، إلا أنه ليس رجلاً ثريًا، إنه رجل فقير لديه الكثير من المال، ولهذا السبب فإن عدد 90% من أصحاب الملايين الذين يفوزون باليانصيب يُصبحوا فُقراء بعد خمس سنوات، فى حين أن لديك أغنياء لا يملكون المال، مثل معظم رواد الأعمال، ولكنهم بالفعل على طريق الثروة، حتى لو لم يكن لديهم المال، لأنهم يُطورن ذكاءهم المالى، وهذا هو الثروة"، فسأله الرجل: "كيف يختلف الغنى والفقير؟"، فأجابه "بيل جيتس": "الأمر ببساطة أنه يمكن للأغنياء أن يموتوا حتى يُصبحوا أثرياء، بينما يُمكن للفقير أن يقتل من أجل الثراء. إذا رأيت شابًا مُتخرجًا حديثًا، فتعلّم أشياء جديدة، ويحاول باستمرار تطوير نفسه، فاعلم أنه رجل ثري، وإذا رأيت شابًا يعتقد أن المشكلة تكمن فى الدولة، ويعتقد أن الأغنياء كلهم لُصوص وينتقدهم باستمرار، فاعلم أنه رجل فقير، لأنه فقير العقل. الأغنياء مُقتنعون بأنهم يحتاجون فقط إلى المعلومات للانطلاق، بينما يعتقد الفقراء أنه على الاخرين منحهم المال للانطلاق". ثم ختم حديثه قائلاً: "عندما أقول أن ابنتى لن تتزوج من رجل فقير، فأنا لا أتحدث عن المال، أنا أتحدث عن قُدرة هذا الرجل على تكوين الثروة".

فمُعظم المُجرمين هم من الفقراء، عندما يقفون أمام كم كبير من المال، يفقدون عُقولهم، ولهذا السبب يسرقون ويسرقون، وبالنسبة لهم هذه نعمة لأنهم لا يعرفون كيف يُمكنهم كسب المال بأنفسهم.

ففى أحد الأيام، عثر حارس البنك على حقيبة مليئة بالنقود، وأخذها وسلمها إلى مُدير البنك، اعتبره الناس أحمق، ولكن فى الواقع كان مُجرد رجل ثرى لا يملك المال، وبعد عام واحد عرض عليه البنك منصب موظف استقبال، وبعد ثلاث سنوات كان مسئولًا عن العُملاء، وبعد عشر سنوات بات مدير الفرع الإقليمى لهذا البنك، ويدير مئات المُوظفين، ومُكافآته السنوية تتجاوز قيمة ما كان فى تلك الحقيبة، فالثروة هى حالة ذهنية فى المقام الأول.

ولكن هل تُدركون أن أى عمل أو حالة هى فى الأساس حالة ذهنية. فسيطرة فكرة على الإنسان سواء كانت سلبية أو إيجابية، هى فى حقيقتها حالة ذهنية تُوجه فكر الإنسان فى اتجاه مُعين، وتبدأ كل خلايا الجسم فى التخديم على تلك الفكرة، لذا نجد الكسل، أو الحُزن، أو الجريمة هم فى الأساس حالة ذهنية، فالحالة الذهنية لا ترتبط بالإيجابيات فقط، ولكنها مُرتبطة بكل الأفكار والأفعال التى يأتيها الإنسان، حتى ولو لم تُترجم إلى أفعال مادية ملموسة، فهى هنا تبدأ كفكرة قوية، ثم تبدأ فى الخُمول قبل أن تتحول إلى فعل، وتلك الحالة تنتاب العديد من البشر، الذى يتحمسون لشيء ما فى بادئ الأمر، ثم يركنون حتى تموت الفكرة رُويدًا رُويدًا، قبل أن تخرج إلى النور، وهذا النوع من الأفكار يسمى الركود الفكرى.

فإن كان الأمر هكذا، فلا تبحث عن أشياء تركن إليها لتكون شماعتك المسكينة التى تُعلق عليها خمولك وركودك الفكري، وتيقن أن حالتك الذهنية أنت الشخص الوحيد القادر على توجيهها، وتطويعها، والسيطرة عليها.

بقلـــم

د./ داليا مجدى عبد الغني

اقرأ أيضًا:
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة