عرب وعالم

كازاخستان تكافح من أجل الاستقرار

18-1-2022 | 20:55
كازاخستان تكافح من أجل الاستقرارقوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي منطقة في ألماتي كازاخستان
د. أيمن سمير

التنظيمات الإرهابية وجماعات التغيير الملونة تفشل فى السيطرة على أكبر دولة فى آسيا الوسطى

موسكو ترى تصاعد الأحداث بأنه تفعيل لـ «الثورات الملونة» 

فشل ما يسمى بالربيع فى دورته الرابعة، عندما حاولت تنظيمات إرهابية وجماعات التغيير المرتبطة بالثورات الملونة والمخملية، أن تسيطر على الحكم فى كازاخستان، التى تعد أكبر دول حبيسة فى العالم ومساحتها تتجاوز 2.7 مليون كلم، ويقطنها نحو 19 مليونا، 3.6 مليون، منهم من الروس.

ويمكن وصف ما حدث بفشل الربيع الرابع، لأن سبقة ثلاث محاولات للتغيير بنفس الآليات والوسائل خلال العقود السبعة الماضية، بدأت الموجة الأولى  بما يسمى «ربيع براج» عام 1968، والموجة الثانية مع الثورة الوردية فى جورجيا عام 2003، والثورة البرتقالية فى أوكرانيا عام 2005، أما الموجة الثالثة، فكانت ما يطلق عليها بثورات «الربيع العربى» عام 2011، وها هى الموجة الرابعة فى آسيا الوسطى، وفى القلب منها فى كازاخستان، التى تعد أكبر دولة تنتج النفط  والغاز فى تلك المنطقة بنحو 1.8 مليون برميل يومياً، وأدت الأحداث فيها إلى ارتفاع فى أسعار النفط تجاوز لأول مرة منذ سنوات 82 دولارا. 
الأحداث فى كازاخستان، هى أكبر دليل على أن هذا النوع من الثورات لا يقوم به الفقراء، ولا يهدف إلى تحقيق غايات اقتصادية، وأن الفقراء والأهداف الاقتصادية ما هى إلا شعارات، لأن كازاخستان من أغنى دول آسيا الوسطى، وتملك عائدات قياسية من النفط والغاز وحركة التنمية مرتفعة فيها للغاية، ولا توجد أى ضغوط اقتصادية إضافية فى بلاد شاسعة يحق فيه لكل 7 أفراد أن يعيشوا فى كيلو متر كامل، وهى بهذا من أدنى الكثافات السكانية فى العالم.

لكن، كما اندلعت فى أحداث ما يسمى بالربيع العربى، فى دول لم تكن لديها مشاكل اقتصادية تذكر،  مثل ليبيا وسوريا، نفس السيناريو يتكرر فى كازاخستان، وبرغم ذلك كانت أسعار الغاز  هى العنوان الذى اندلعت بسببها المظاهرات، وبرغم أن الحكومة تراجعت عن كل القرارات الاقتصادية الجديدة الخاصة برفع أسعار الغاز، فإن المسلحين والمدججين بأسلحة نوعية حاولوا السيطرة على 5 مدن، فى مقدمتها مدينة «ألما آتا» الكبيرة التى كانت العاصمة السابقة، قبل أن يؤسس الرئيس السابق نور سلطان نزار باييف، عاصمة جديدة أطلق عليه «نور سلطان»، وهى العاصمة الجديدة للبلاد، وحتى الحديث عن سوء توزيع السلطة والثورة بين القبائل الكازاخية والمناطق الجغرافية البعيدة، كان يمكن أن يحدث عن طريق حوار وطنى، وليس حوار بالسلاح وتدمير المنشآت وقطع رقاب عناصر الشرطة فى مشهد أعاد للناس التذكير بأفعال داعش.

 ما الأهداف؟
الأحداث فى كازاخستان، جاءت قبل أيام من جلسات الحوار بين روسيا والولايات المتحدة والناتو، من أجل تخفيف التوتر فى شرق أوكرانيا، وهى المحادثات التى جرت فى جنيف وفيينا وبروكسل، وتربط روسيا بين الأمرين، وترى أن ما جرى فى كازاخستان، كان الهدف منه توصيل رسالة للدب الروسى، بأن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين قادرون على اللعب فى «الحدائق الخلفية» لروسيا، ولهذا لم يتردد الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، فى كلمته أمام قمة مجموعة «معاهدة  دول الأمن الجماعى» التى تأسست بعد الكومنولث الجديد، وهى تحالف عسكرى حكومى تضم 6 دول: كازاخستان وروسيا أرمينيا وطاجاكستان وأوزباكستان وقيرقيزيا، وصف الرئيس بوتين ما حدث بأنه نوع من «الثورات الملونة»، وكان يشير إلى أحداث وقعت فى جورجيا عام 2003 بين المواليين لروسيا والمواليين للغرب، وهو نفس السيناريو الذى تكرر فى أوكرانيا عام 2005، وتجدد فى 2014، وقاد لسيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم، والأحداث الساخنة الحالية فى دونباس. 

إستراتيجية قديمة
تعتقد روسيا أن ما جرى فى كازاخستان إستراتيجية قديمة، يتبعها الغرب لجر روسيا إلى مستنقعات وحروب استنزاف على حدودها، كما هو الصراع الآن فى أوكرانيا وبيلا روسيا، وسبقها فى تسعينيات القرن الماضى فى شرق أوروبا ومنطقة البلقان، ولهذا تقوم المقاربات الروسية، بأن الكرملين تحرك بسرعة عندما أرسل نحو 3000 جندى، وعبر الطائرات العملاقة تحت مظلة دول «معاهدة دول الأمن الجماعى» الست، وقال الرئيس الروسى فلاديمير بوتين: إن القوات الروسية أرسلت إلى كازاخستان لمساندة السلطة بعد أن «استهدفها الإرهاب العالمى، وعندما تنجز القوة مهامها ستنسحب من أراضى كازاخستان، محذراً من أن روسيا لن تسمح «بثورات ملونة» فى جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق، بدوره قال الرئيس الكازاخى، قاسم توكاييف، إن مهمة القوة العسكرية بقيادة روسيا المنتشرة فى البلاد ستنتهى قريبا، وإن الاضطرابات التى شهدتها البلاد الأسبوع الماضى كانت غزوا خارجيا.

ويعود التدخل الروسى لأسباب أخرى، بعيدا عن صراعها مع الولايات المتحدة والغرب، وزحف حلف الناتو عليها، حيث يوجد هناك ما يزيد على 3 ملايين روسى، وجرت محاولات سابقة فى التسعينيات، لانفصال هؤلاء، وتشكيل دولة مستقلة شمال شرق كازاخستان، فإن الفكرة فشلت بسبب حكمة وذكاء الرئيس الكازاخى السابق، نور سلطان نزارباييف الذى حاول التقرب من الكرملين، ليحافظ على وحدة وسلامة الأراضى الكازاخية، كما أن الحدود بين روسيا وكازاخستان تتجاوز 7600 كم، وتحول كازاخستان للنموذج السورى مثلاً،  قد يؤدى لنزوح الملايين نحو روسيا، كما أن روسيا تعتمد فى كثير من المواد الأولية ومواد التصنيع على كازاخستان، لدرجة أن البعض يعتقد أن تميز روسيا فى مجال بناء المفاعلات النووية، يعود لنجاحها فى شراء اليورانيوم بأسعار معقولة من كازاخستان.

حصار الأفيون الثالث
تقوم الحسابات الصينية، على أن هذه المحاولة استهداف للصين بشكل مباشر، كما هى استهداف لروسيا، لأن البضائع الصينية تتوجه لأوروبا والشرق الأوسط عبر الأراضى الكازاخية، التى تعد أقصر طريق لتوصيل البضائع الصينية إلى أوروبا والغرب، كما أن اندلاع الفوضى فى آسيا الوسطى، سوف يقوض المشروع الصينى «الحزام والطريق»، ولهذا ترى الصين فى الأحداث الكازاخية، استمرارا للسياسات الغربية لمحاصرة الصين، ومنع وصولها لقمة قيادة العالم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ووصل الأمر إلى أن بعض الصينيين، يرون فى تصاعد الأحداث فى دول الجوار بمثابة حصار، يشبه  حصار «حروب الأفيون» الأولى والثانية، تلك التى قادت لاحتلال أراض من الصين بما فيها «هونج كونج « ، ثم جرى احتلالها خلال حرب الأفيون، واستمر الاحتلال حتى عام 1999 عندما عادت إلى الصين، وأن ما يجرى فى كازاخستان لا يمكن فصله عن التوتر فى بحر الصين الجنوبى، وبحر الصين الشرقى، وملف كوريا الشمالية، وقضايا أقاليم التبت وشينجيانج، والهدف هو عملة «حلقة من النار» حول التنين الصينى، تعرقل على الأقل خططه الاقتصادية والعسكرية.

أين تقف؟
هذا السؤال هو الأصعب على الشعب الكازاخى، فبحكم الجغرافيا والتاريخ له علاقات طيبة مع روسيا والصين، لكن بحكم الثقافة واللغة ينتمى لما يسمى بالعالم التركى، الذى يضم الدول الناطقة بالتركية فى آسيا الوسطى، وفى ذات الوقت فتح الباب أمام الشركات الأمريكية للاستثمار فى النفط والغاز، وحاول الرئيس السابق، نور سلطان نزارباييف، الذى ترك السلطة فى عام 2019، وحصل عل لقب حكيم الأمة، أن يحقق التوازن بين كل هذه القوى والانتماءات، لكن فى ظل الصراع الروسى - الصينى من جانب، والولايات المتحدة وحلفائها من جانب آخر، بات من الصعب على كازاخستان، أن تكون فى جميع المعسكرات، وحان الوقت - كما هى الحال فى مناطق جغرافية كثيرة فى العالم - للاختيار بين هذا المعسكر أو ذاك.  

المجموعات الإرهابية
اتهمت روسيا والصين، والرئيس الكازاخى قاسم توكاييف تنظيمات إرهابية وجماعات مسلحة، وعناصر خطيرة من أفغانستان والشرق الأوسط بمحاولة السيطرة على البلاد، حيث تنشط فى كازاخستان الجماعات الإرهابية المعروفة، وهى تنظيم خراسان التابع لداعش، وما يسمى بالجيش الإسلامى التركستاني والحزب الإسلامى الأوزبكى، ومنظمة الأكرمية الإسلامية، وحركة النهضة الطاجيكية. 

ما هى كازاخستان؟
كازاخستان هى تاسع أكبر دولة فى العالم، من حيث المساحة بنحو2.7 كم، وهى أكبر دولة حبيسة فى العالم، وأكبر دولة فى آسيا الوسطى، ويمتد جزء صغير منها فى شرق أوروبا، وتقع العاصمة نور سلطان، والتى حملت فى السابق أسماء أستانة وأكمولا وتسيلينوجراد، فى الجزء الشمالى الأوسط من البلاد، ويعيش الإسلام أفضل أيامه هناك بعد انتهاء عهد الاتحاد السوفيتى، ويمثل المسلمون نحو 70 % من السكان.
كما زادت أهمية كازاخستان فى الفترة السوفيتية، حيث بات هناك مركز الإطلاق الفضائى السوفيتى الرئيسى، كما أصبحت أيضا مخزنا لجزء كبير من الأسلحة النووية السوفيتية، ومركزا للمواقع المرتبطة بالتجارب النووية، وسيطر دين محمد كوناييف، السكرتير الأول للحزب الشيوعى الكازاخى، بين عامى 1959 و 1986، على السياسة الكازاخية لنحو ربع قرن، وتسببت إقالته فى عام 1986، من قبل الزعيم السوفيتى ميخائيل جورباتشوف، فى أول أعمال شغب خطيرة فى الثمانينيات فى الاتحاد السوفيتى. 

استقلال كازاخستان
أعلنت كازاخستان سيادتها فى 25 أكتوبر عام 1990، واستقلالها الكامل فى 25 ديسمبر عام 1991، وتحت رئاسة نور سلطان نزارباييف، استمرت السياسة الكازاخية فى اتباع الخط المعتدل لتوكاييف، وفى عام 1994 قررت الحكومة نقل العاصمة الوطنية تدريجيا من (ألما آتا) الواقعة فى جنوب شرق البلاد إلى أكمولا، الواقعة فى الشمال الأوسط فى السنوات التالية، وتم نقل العاصمة رسميا فى عام 1997، وفى مايو عام 1998، تم تغيير اسم المدينة إلى آستانة.

وفى بداية القرن الحادى والعشرين، كان التحول السريع للعاصمة من خلال طفرة إنشائية بقيادة نزار باييف، وغذتها إلى حد كبير عائدات النفط المتزايدة فى البلاد، وأعيد انتخاب نزار باييف للرئاسة فى عام 1999، ومرة أخرى فى عام 2005، واستقال نزار باييف من الرئاسة فى 19 مارس عام 2019، قائلا إنه يريد تسهيل صعود جيل جديد لقيادة الأمة.

وكان من المقرر أن يعمل قاسم توكاييف، رئيس مجلس الشيوخ آنذاك، رئيسا بالنيابة لما تبقى من المدة، كما كان من المقرر إجراء انتخابات رئاسية فى أوائل عام 2020، لكن تم تقديمها إلى يونيو عام 2019، وفى 20 مارس 2019، وهو أول يوم له فى منصبه، قام توكاييف بتغيير اسم العاصمة من آستانة، إلى نور سلطان تكريما لنزار باييف، وفى بداية عام 2022، أنهت الحكومة الحدود القصوى لأسعار غاز البترول المسال كجزء من خطة جارية لتحرير سوق الطاقة، وإنهاء نقص الوقود، وهو ما أدى لرفع الأسعار واشتعال المظاهرات.

نقلاً عن الأهرام العربي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة