Close ad

شريف سعيد يكتب: نصيحة الرئيس إلى سالي

16-1-2022 | 18:04

كأن مصر تُقدم للعالم في زمن الجائحة مفتاحًا للحياة، هكذا رأيتُ النسخة الرابعة من منتدى شباب العالم بشرم الشيخ، منذ عامين - تأجل فيهما المنتدى - والكوكب يواجه قاتلًا لا نراه، ولا يُفرق بين ضحاياه، الحاضرون لا يوجد بينهم مَن ليس بقلبه ندبة إثر فقد عزيز عقب اجتياح الوباء. 
 
مصر عبر منتداها بهذا الظرف الطارئ رأتْ أن الدرس المستفاد من المحنة الكوكبية، هو حتمية تمسك الإنسان بالحياة في مواجهة الموت، عبر تعايش سلمي وقبول للآخر رغم أي اختلاف، كانت تلك واحدة من بين رسائل أخرى، حملها الفيلم التسجيلي الرقيق "ألوان حقيقية"، والذي عُرض بحفل ختام المُنتدى.
 
تبدأ أحداث الفيلم بالفتاة المصرية"سالي"، المسافرة لأول مرة وحدها لحضور المنتدى، لسبب غامض نسمع صوتها ولا نتبين وجهها، نبصر دنياها بالأبيض والأسود عبر كاميرا اختفتْ هي من ورائها لتوثيق ما يدور، ثم نتعرف على رفيقاتها بمقر إقامتها، إحداهن صينية ما زالت تتألم من التنمر ببدانتها زمن الطفولة، الثانية سعودية ظلت تتأذى من آخرين لم يروها سوى بدوية فوق جمل، والثالثة إفريقية عانتْ التمييز واعتقاد الناس أنها لا تصادق في بلادها إلا القرود!
 
من السياق يُفهم أن هذا الذي نالهن، قد تعرضن له بالغرب، وهو الذي يتهم الآخرين دومًا بانتهاك الإنسان، غياب الملامح الأوروبية والأمريكية عن جلسة الفضفضة التي جمعت سالي بالأخريات رُبما لم يكن صدفة! بدا إسقاطًا على مَن يُمارسون ضد العرب الآسيويين والأفارقة تنظيرًا حقوقيًا زائفًا، إشارةٌ جاءت متناغمة -إن مددنا الخط على استقامته- مع رد الرئيس عبدالفتاح السيسي على أحد الصحفيين، بلقائه ممثلي الصحافة الأجنبية بالمنتدى، كانت من بين كلمات الرئيس في معرض رده بخصوص حقوق الإنسان: "هو انتوا خايفين على بلادنا أكتر مننا"؟! استفهام استنكاري مندهش، إن وضعناه جوار المشهد السابق من الفيلم، تتجلى الرسالة المُشفرة: إن دولًا متقدمة قد تتعرض فيها للتنمر بسبب عرقك أو ملامحك وأنتَ فوق أرضها، رُبما هي غير صادقة بادعائها الاكتراث لحقوقك وأنتَ ببلادك! رُبما الهدف سلب أوطاننا منا.
 
 عقب حوالي 17 دقيقة من بدء الفيلم تتحول الصورة من الأبيض والأسود إلى ألوان. نرى وجه سالي ونكتشف أنها مريضة (ألبينو/ بَرَص). وهو من الأمراض الوراثية غير المعدية الناتجة عن نقص كمية صبغة "الميلانين" بالجلد والشعر، أصحابه يُطلق عليهم "أعداء الشمس"، يتعرضون للتنمر الدائم، ما يجعلهم مائلين للعزلة، وهي حالة لازمت سالي بعمرها، حتى قابلتْ بأروقة المنتدى مَن لم يشعروها أنها غريبة. 
 
ثم آنت ذروة الفيلم، بمشهد يُوثق حضورها إحدى جلسات المنتدى وبحضور الرئيس، ترددتْ كثيرًا قبيل رفع يدها مع آخرين طلبًا للكلام، بطبيعة الإقصاء التي تعرضتْ له بحياتها، لم تتوقع اختيار الرئيس لها لكنه أشار لها، داهمتها المفاجأة، حاولت تكوين جملة مهندمة ولم تستطع، فقط صارحته بخوفها طالبة نصيحة أبوية، الرئيس بفطنته أدرك ما تعنيه ورفعًا للحرج عنها وبدماثة خُلق أخبرها أنه لن يسألها أمام الجميع عن سبب خوفها وقلقها، لكنه توجه لها وللجميع: (جوه مصر متخافيش، لأن الدولة دي، بفضل الله سبحانه وتعالى، حافظها ربنا سبحانه وتعالى، وإلا كانت راحت زي ما غيره راح)، نصيحة بدت رسالة تحذيرية مشفرة لكل مَن يفكر بإعادتنا مرة أخرى للوراء.
 
 تنتهي أحداث "ألوان حقيقية" بمشهد سالي وصديقاتها يمشين ببهجة فوق الشاطئ، ليتفاجأ جمهور الحفل بظهورهن على المسرح مؤكدات على الرسالة الرئيسة، كلنا إنسان، ولا عيش إلا بسلام وبقبول للآخر، رسالة من ضمن رسائل أخرى كثيرة، صيغت بعناية عبر المنتدى وفعالياته.
 
للتواصل مع الكاتب عبر تويتر: twitter.com/sheriefsaid

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: