Close ad

د. إسلام عوض يكتب: فاصبر على ما لم تُحط به خُبرا (2 - 3)

16-1-2022 | 05:31

إن الله إذا أحب عبدًا امتحنه، وليس هناك امتحان للعبد أبلغ من الابتلاء، فعند الابتلاء تنكشف للعبد عدة حقائق؛ أولاها قوة إيمانه وصبره وتحمله، وثانيتها حقيقة كل من حوله، وحقيقة الدنيا وما فيها من نفيس وخبيث، وحقيقي ومزيف، وجميل وقبيح، وفي النهاية سيقوى إيمانه، وسينعم عليه الله تعالى بنعمة الصبر، وسيعرف أنه ليس له ملجأ سوى الله تعالى، الذي قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وقال الحسن البصري عن الصبر: (الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده).

وتحدثنا في المقال السابق عن هدايا سورة الكهف، وما فيها من رسائل وجهها الله سبحانه وتعالى لنا لنقرأها ونتدبر معانيها لنفوز بسعادة الدارين الدنيا والآخرة، وذكرنا أن الله تعالى أراد أن يعلمنا - من الأحداث التي وقعت خلال صحبة سيدنا موسى لسيدنا الخضر - أن نصبر على ما لم نُحط به خُبرًا.

وسبق أن قلنا إن الله تعالى قد عرض لنا في سورة الكهف فتن الدنيا الأربعة؛ وهي: فتنة الدين وفتنة المال، وفتنة العلم، وفتنة السُلطة، ووتحدثنا عن فتنة الدين وفتنة المال.

وسنتحدث اليوم عن فتنة العلم، وقد جسد الله تعالى لنا في سورة الكهف فتنة العلم في قصة لقاء سيدنا موسى مع سيدنا الخضر، وما دار بينهما من أحداث، تعلمنا منها أنه مهما بلغ الإنسان من علم ومعرفة، فحتمًا هناك من هو أعلم منه، وأنه فوق كل ذي علم عليم، وقد تعلمنا من تلك القصة ألا نتعجب من الأمور الغريبة التي نراها بأعيننا، وأنه يجب علينا أن نتأكد أن وراءها حتمًا حكمة سنعرفها في الوقت المناسب الذي يحدده الله تعالى، وليس وقتما نريد نحن، ورأينا أن خرق سفينة المساكين كان قمة المعروف، وأن قتل غلام صغير كان قمة الرحمة، وأن حبس كنز طفلين يتيمين كان قمة الوفاء، فيجب علينا أن نصبر على ما لم نُحط به خبرًا.

وقد علمنا الله تعالى كيف ننجو من فتنة العلم في سورة الكهف؛ وذلك بالتواضع وعدم الاغترار، وظهر هذا جليًا في قوله تعالى على لسان سيدنا موسى لسيدنا الخضر: ".. سَتَجِدُنِي إِن شَاء ٱلله صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً"، وكم كان هذا التواضع عظيمًا؛ لأنه جاء من كليم الله ونبي من أولي العزم، ولم يأتِ من شخص عادي.

ويظهر لنا جليًا في هذا المقام آداب كل من المُعِّلم والمُتعِّلم؛ من سلوك سيدنا الخضر وسيدنا موسى، وجاء عن الإمام النووي أنه قال: (على كل مُعلم أن يظل مجتهدًا في الاشتغال بالعلم قراءة، وإقراءً ومطالعةً وتعليقًا ومباحثةً ومذاكرةً، ولا يستنكف عن التعلم ممن هو دونه في سنٍ أو نسبٍ أوشهرةٍ أو دينٍ أو في علمٍ آخر). 

وقد روى الجاحظ من كلام عقبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده: "ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بَنَي، إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودةٌ عليك، فالحسنُ عندهم ما استحسنت والقبيحُ عندهم ما استقبحت".

وكم نحن أصبحنا الآن أحوج ما نكون إلى هذه القيم التربوية الرفيعة، لكي نُخرِّج جيلًا صالحًا يبني نفسه ووطنه، لنكون جديرين حقًا بأن نكون خير أمة أخرجت للناس.

فإن مهنة المعلم هي مهنة الرسل والأنبياء، فقد قال أبوحامد الغزالي: (إن صناعة التعليم هي أشرفُ الصناعات التي يستطيع الإنسانُ أن يحترفها، وإن الغرض من التربية هو الفضيلة والتقرُّب إلى الله)، وفي هذا المقام يجب ألا يفوتنا قول شوقي: (قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا ** كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا)

كما أثبتَتِ السُّنة النبوية الشريفة مَهمَّة التعليم في رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": (وإنما بُعِثت مُعلمًا)، وقال أيضًا: (إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا وميسِّرًا).

وخير ما نختتم به حديثنا عن العلم والعلماء؛ هو رأي علماء الغرب ومفكِّريهم في معلم البشرية؛ النبي محمد "صلى الله عليه وسلم":

- قال برتراند راسل: (لقد قرأتُ عن الإسلام ونبيِّ الإسلام، فوجدت أنه دين جاء ليصبح دينَ العالَم والإنسانية، فالتعاليم التي جاء بها محمد، والتي حفل بها كتابه، ما زلنا نبحث ونتعلق بذرَّات منها، وننال أعلى الجوائز من أجلها).

- قالت آن بيزينت: (مِن المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم، ويعرف كيف عاش هذا النبي، وكيف علم الناس - إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبيِّ الجليل، أحد رسل الله العظماء، ورغم أنني سوف أعرض فيما أروي لكم أشياء قد تكون مألوفة للعديد من الناس، فإنني أشعر في كل مرة أعيد فيها قراءة هذه الأشياء بإعجاب وتبجيل متجددينِ لهذا المُعلِّم العربي العظيم).

- قال ليو تولستوي: (سوف تسُودُ شريعة القرآن العالَمَ؛ لتوافُقِها وانسجامها مع العقل والحكمة، وأنا واحد من المبهورين بالنبي محمد الذي اختاره الله الواحدُ لتكون آخر الرسالاتِ على يديه، وليكون هو أيضًا آخر الأنبياء).

والخلاصة أننا إذا أردنا أن نُعلِّم أو نتعلم فعلينا أن نكتسب عدة صفات مهمة؛ ألا وهي الصبر والحلم والاجتهاد والتواضع، كما لابد أن يكون لدينا هدف محدد، لا نحيد عنه مهما قابلنا من تحديات وصعاب، بالإضافة إلى تعلم فن تنظم وإدارة الوقت، وبدون امتلاك هذه الصفات فلن تتقدم الأمة.

أما الحديث عن الفتنة الرابعة من فتن الدنيا.. ففي المقال المقبل بإذن الله.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إسلام عوض يكتب: تجسس الأزواج

مع وجود الاختلاط في المدارس والجامعات والعمل، وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتدني الأخلاق، كثير من الأزواج أو المخطوبين يتشككون في سلوكيات بعض

د. إسلام عوض يكتب: للعارفين بالله كتابان

الحكمة ضالة المؤمن، وهي كنز لو تعلمون عظيم، يحصل بها المرء على الخير الكثير والفضل الكبير، وتزيد صاحبها شرفًا على شرفه وتُعلي من شأنه وهمته