آراء

د. شيرين الملواني تكتب: "توشكى الجنزوري"

11-1-2022 | 00:31

من كواليس  مذكرات الوطني المخلص كمال  الجنزوري - رحمة الله عليه- والتي رواها  عن حقبة حكم الرئيس مبارك، المنشورة في كتاب (طريقي.. سنوات الحلم والصدام والعزلة.. من القرية إلى رئاسة مجلس الوزراء)؛ شرح خلال سرده كيفية ولادة مشروع توشكى في تسعينيات القرن الماضي بالتمهيد لوضع الرقعة الزراعية حينئذ، حيث  شرق الدلتا الذي امتدت فيه ترعة السلام إلى حدود قناة السويس.

وتجاوزت ترعة الشيخ زايد السويس إلى برها الشرقي في سيناء، وتم التوسع في الشمال الغربي بإنشاء ترعة الحمام التي تأخذ مياهها من ترعة النوبارية بما أضاف حيزًا جيدًا مزروعًا، وبالتالي عمرانيًا؛ امتد على ساحل البحر الأبيض المتوسط في الشمال الغربي وعلى رقعة جديدة غرب الدلتا، بالإضافة إلى التوسع في محافظة الوادي الجديد غرب الوادي، غير أن هذه الامتدادات لم تحقق الغاية منها مع استمرار التزايد السكاني - حيث وصل سكان مصر تعدادًا حينها لـ٦٠ مليون نسمة - وظلت الآمال معقودة على الاستمرار في تحقيق الطفرة الزراعية و الأهم منها العمرانية.

وتوصل صناع القرار في ذلك الوقت إلى ضرورة  الابتعاد عن الشريط العمراني حول نهر النيل، كعلاج  لمواجهة مشكلة المناطق العشوائية، ولكن وبعد عدد لا حصر له من الدراسات والمسح الشامل لتلك المناطق تم التأكد من أنه لا يمكن إصلاح ما هو قائم منها إلا فيما لا يزيد على 20% من إجمالها، بسبب خروجها على المألوف في كل شيء، سواء في عدم صلاحية المباني أو ضيق طرقها أو غياب مقومات إدخال البنية الأساسية (مياه شرب وصرف صحي و محطات كهرباء.... إلخ)، مما يتطلب تغييرًا شاملًا في بعضها أو هدم مبانٍ كثيرة في بعضها الآخر؛ وبين خشية اتخاذ القرارات الحاسمة من الحكومة وبين ضعف المبالغ المرصودة من ميزانية الدولة للمشروع، فَتر الحماس وتضاءل الأمل ومات مشروع توشكى.

وجاءت مصر الجديدة وتجسد المشروع بالإرادة القوية للدولة المصرية فنجحت في تخطي عقبات التنفيذ الذي تأجل ثلاثين عامًا، ليتم إنجازه في ثلاث سنوات، ليوفر  الآلاف من فرص العمل وتدور حركة الإنتاج  ليصبح المشروع الإستراتيجي الأهم في التنمية للدولة المصرية ولتتحول  منطقة الجنوب المصري لطفرة في الإنتاج الزراعي، ولتتضح معالم الدلتا الجديدة جنوب الصحراء الغربية موازية للنيل، ومساهمة في إضافة مساحة تصل إلى 540 ألف فدان للرقعة الزراعية، ليتم ريها بمياه النيل عبر ترعة الشيخ زايد.

قام هذا المشروع بأساس قوي عن طريق  إنشاء شبكة كهرباء، و محاولة جدية لتوفير كافة المرافق؛ في عملية لم تكن سهلة، وكان التحدي كبيرًا؛ استطاعت الدولة أن تنجزه، وهو أمر يحسب للحكومة المصرية والمسئولين.
 
ولا نستطيع أن نغفل أهمية قرب مشروع توشكى من بحيرة ناصر؛ مما يبشر بمميزات وفوائد عظيمة، أهمها كونه حصنًا لوقاية السد العالي وتصريف المياه الزائدة في حالة أي طارئ يعتري سد النهضة الإثيوبي. 

مشروع توشكى أحد المشاريع القومية الزراعية العملاقة الذي يعظم الاستفادة من مياه الصرف الزراعي والمياه الجوفية ويضيف للرقعة الزراعية حال اكتماله أكثر من 600 ألف فدان ويجذب الكثير من الاستثمارات الزراعية ويعود بالخير الوفير على الاقتصاد المصري ويحسن الحياة الاجتماعية لملايين الأسر ويخلق مجتمعًا عمرانيًا جديدًا، ويوفر ملايين فرص العمل ويزيد الإنتاج الزراعي ويساهم في زيادة الصادرات الزراعية المصرية؛ مما سوف يخفض أسعار المنتجات الزراعية للمواطن ويزيد من دخل الفلاحين، كما يساعد في تنمية الصناعات القائمة على المنتجات الزراعية. 

إن معظم أراضي المشروع تروى حاليًا من مياه الصرف الزراعي المعالج بطرق ري حديثة، ويُزرع به أكثر من مليون نخلة من أجود أنواع النخيل وتطمح الدولة في زيادة أشجار النخيل بالمشروع إلى نحو 2.5 مليون نخلة.

إن استصلاح وزراعة الأراضي الجديدة يتكلف مبالغ طائلة وقرارات جريئة لم تكن تحدث من غير وجود قيادة حكيمة وحاسمة تملك إرادة فولاذية وقلبًا وطنيًا وضميرًا حيًا، وأن عوائد هذه المشاريع القومية العملاقه سوف تساهم إلى الوصول للاكتفاء الذاتي من أغلب المحاصيل الأساسية بما يعود بالخير على كل المصريين.

مشروع توشكي رغم بدايته عام 1997 بفكرة مصريه إلا أن توقفه أصاب الكثير من المصريين بالإحباط قبل أن يعاد اكتشافه ويتم التخطيط له إستراتيجيا، ولا نغفل نقطة مهمة ألا وهي؛ لا تنمية بدون أمن، ولا أمن بدون تنمية؛ حيث قام المشروع من خلال تعاون الحكومة والقوات المسلحة المصرية من أجل تحقيق التنمية في جنوب الوادي، فهنيئا لنا بالدلتا الجديدة ولتظل المحروسة كنز الخيرات وليرقد صاحب الفكرة كمال الجنزوري في سلام وطمأنينة فمن يخدم هذا الوطن بصدق لا يضيع أجره.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. شيرين الملواني تكتب: "توشكى الجنزوري"

من كواليس مذكرات الوطني المخلص كمال الجنزوري - رحمة الله عليه- والتي رواها عن حقبة حكم الرئيس مبارك، المنشورة في كتاب (طريقي.. سنوات الحلم والصدام والعزلة.. من القرية إلى رئاسة مجلس الوزراء)

د. شيرين الملواني تكتب: "وداعًا استمارة ٦"

منذ أن أنضممت للعمل بالقطاع الخاص كصاحبة منشأة من سنوات ليست بالقليلة؛ ومشاكل سوق العمل غير الحكومي لا تنتهي، ولا تتوقف شكاوى طرفيه - العامل أو رئيسه - مع تبادل الاتهامات المستمرة بينهما

د. شيرين الملواني تكتب: "ومنكم من يُرَد إلى أرذل العمر"

عند ذكر كلمة (مُسِن) في مجتمعنا لابد أن يكون تداولها مقرونًا بطرح ظرف أو قضية أو حالة إنسانية؛ إما تعاني من عقوق الأبناء فتعيش بلا مأوى، أو تبحث عن الرعاية،

د. شيرين الملواني تكتب: نحيا ببركتهم...

في اليوم العالمي لدعم مُتحدي الإعاقة وأصحاب الاحتياجات الخاصة؛ لابد أن نُقِر بالطفرة التي حدثت في مصر السنوات الأخيرة؛ والتي بدأت بإعادة تعريف أصحاب الإعاقة

د. شيرين الملواني تكتب: إن تحمل عليه أَو تتركه!

تَصَدر الأسبوع الماضي القُمص (زكريا بطرس) الترينْد - مثلما طمح ويطمح دومًا - بتهجمه على رسولنا الكريم بأحط البذاءات، وبالتالي التهكُم على كل مُرسلٍ من

د. شيرين الملواني تكتب: "ديستوبيا الميتاڤرس"

صدمة لكل عاقلٍ مُدرِك في زماننا هذا؛ ما أعلنته شركة (الفيسبوك) - والتي تحول اسمها إلى (ميتا Meta) - عن أوان دخول البشرية إلى العالم الافتراضي المُخْلَق

د. شيرين الملواني تكتب: رَاقبُوهُمْ وعَاقِبُوهُْم!

يَشهَد العالم أزمة اقتصادية طاحنة شَمِلت جميع الدول بدون استثناء؛ تَجلَت في ارتفاع مُعدلات التضخم بالتوازي مع كسادٍ كبيرٍ قارب خسائر أزمة الكَساد الكُبرى

د. شيرين الملواني تكتب: "يَوم فيِّ السِّجْنِ"

طالعت مثل الغالبية العُظمى من المصريين افتتاح مجمع السجون في وادي النطرون في مشهد غريب علينا جميعًا لم نشهده من قبل في مصر ولا في منطقة الشرق الأوسط كلها،وتابعت

د. شيرين الملواني تكتب: وداعًا "سي"...

في بيان رسمي أعلنت منظمة الصحة العالمية مصر دولة خالية من (ڤيروس سي)؛ كأول دولة في العالم تستطيع القضاء على الڤيروسات الكبدية، عند قراءتي لهذا الخبر مرت

د. شيرين الملواني تكتب: لكم لقاحكم ولنا لقاحنا!

بقوة لسانهِ المعهودة واجه فضيلة الأمام الأكبر شيخ الأزهر العالم بحقيقتهِ الظالمة فى المؤتمر السنوي لقمة الأديان المُنْعقِد فى روما مؤخرًا ؛ حين قال:(نحن

د. شيرين الملواني تكتب: جَرائم المُجتمع بين (الفودو) و(الشبو)!

المُخدرات ذلك الغول الذى يتلاعب بمُجتمعنا مُنذ سنواتٍ طوال؛تحت مُسمْيات وصور تَعاط مُختلفة باختلاف الزمان وظروفه السياسية والاجتماعية؛فشهدت بدايات الحرب

د. شيرين الملواني تكتب: في (حَانة السِت) .. قَامت "ثومة" من مَرْقدِها!

نعم؛ نفخ الإبداع الروح في جَسَد (الست أم كلثوم) فأحياها عام 2021 ، فالقلم الإبداعى بخيالهِ قادر على إحياء الموتى من رموز عاشت مُقدَّسة ومؤلَّهة ؛فلم يجرؤ

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة