آراء

محمد الشاذلي يكتب: عندما تقنع بأن الحياة "تيسرت"!

10-1-2022 | 11:57

تظل السيرة الذاتية جاذبة على الرغم من تحفظات البعض، خصوصًا فيما يتعلق بأسرار الدولة أو العائلة، وتظل كتب السيرة دائمًا أحد النواقص في المكتبة العربية، ويبدو أن كثيرين قدروا التحديات، لكنهم كتبوا السيرة المهنية والعملية، مرورًا بالذات والأسرة، لإخبار رفقاء العمر، وربما بالأساس أولادهم وأحفادهم، عن عناء الرحلة الطويلة.

وفي هذا الإطار الصارم كانت سيرة "تيسرت" للمعماري السعودي صالح بن علي الهذلول والتي صدرت قبل أيام عن مركز الأهرام للترجمة والنشر.

 وكم كانت السيرة - كفن أدبي وحاجة نفسية - هدفًا لكثيرين من المثقفين السعوديين، كسيرة الوزير غازي القصيبي في "شقة الحرية"، و"السجين 23" للإعلامي البارز محمد سعيد طيب و"سيرة ومسيرة" للمحامي المرموق صالح الطيار، وسيرة الشاعرة هدى الدغفق في كتابيها "أشق البرقع.. أرى" و"متطايرة حواسي"، و"حياتي مع الحب والجوع والحرب" للصحفي الكبير عزيز ضياء.

 لقد اختار الهذلول عنوانًا مؤثرًا لكتابه، وربما شرحه في ندوة أخيرًا في "بيت يكن" في سوق السلاح بالدرب الأحمر، بما يفيد إحساسه الطاغي بالتيسير الذي أتاحه القدر له في دراسته وفي حياته العملية وفي تمتعه بخليط شديد التنوع من أصدقاء سعوديين ومصريين وأجانب، كانت ندوة توقيع كتاب المعماري السعودي البارز في مكان يحفل بالأثر وبالبشر، وفي بيت ُقدر له الإنقاذ من يد العبث على يد معماري مصري آخر هو المهندس صلاح زكي، وحافظ البيت التاريخي على اتصاله بالسكان، وبدا كجزء من منظومة أكثر رحابة من مساحته المجاورة لحمام بشتاك والجامع الأزرق، وغيرهما، مما يفخر به تراث القاهرة القديمة.

 وكثيرًا ما يأنس كاتب السيرة إلى فكرة مراوغة وهي أنه لم ير في سيرته ما يستحق الذكر أو الكتابة عنه أو حوله، فيسأله المقربون، لكنه يؤجل الخوض في التجربة، وأبان الكاتب عن دافع رئيسي، ويعترف بأن صديقه المهندس عبدالعزيز العنبر وفي رحلة إلى بريطانيا قبل أكثر من عشر سنوات، أستمع له على العشاء ليومين أو ثلاثة متواصلين، يناجيه بأحاديث وقصص وذكريات، فيكتب له العنبر ورقة واحدة ويسلمها له في مظروف مغلق، تتضمن اختصارًا لما سمعه منه، مناشدًا إياه كتابة السيرة؛ لتقبع الصفحة سنين عددًا في مكتبه، ليعود إليها مستثمرًا حجر كورونا، الذي ألزم الجميع بيوتهم، لينجز السيرة.

 هي إذًا "تيسرت" أخرى في حياته، وهو يشرح فحوى الاسم من أنه مشتق من آيات سورتي الانشراح والضحى، اللتين وجد فيهما وصف مخالب الكربة ثم إلهامات الفرج وضوء المنح والعطايا وأصول قواعد التعامل. ويجمل الهذلول الحكمة التي خرج بها من حياته: إذ عشت يتيمًا، وعشنا عوزًا وحاجة ويسر الله أمورنا، وكلما تعسر أمر في حياتي وضاقت بي الدنيا فتح الله بابا أفضل مما كنت أرغب أو آمل أو أتمنى".

 كان الهذلول ابن قرية "البدائع" في القصيم صادمًا لحد وصف معيشة أسرته "على بساط الرمل العتيق وأنياب الحصير تلتهم أجسادهم، تأكلهم ألسنة البرد وفوقهم سحابة يأس قاتمة، يشعلون النار في الحطب فيجلس الجميع حول النار ينعمون بدفئها، ويرمون في داخلها كل آلامهم وأوجاعهم، تغوص أصابعهم داخل النار صوب قطعة خبز تكاد تحترق فيفشلون في إنقاذها".

 ذلك الوصف هو أحد تجليات المثقفين السعوديين الذين عاشوا سنوات المعاناة وامتد بهم العمر إلى عصر الوفرة. واستطاع الكاتب بذاكرته الحافظة أن يقدم شرحًا تفصيليًا لطفولته وجذوره وأنساب عائلته، ولقريتـه "البدائع" أرض "الولادة والنشأة ومهد الصبا وملعب الشباب وقرة العين ومهوى الفؤاد، وحيز المتعة الجميلة الغاربة رغم قسوة الحياة".

وكما تعاملت غالبية المجتمعات العربية مع الاختراعات الغربية فقد حكى عن وصول الراديو إلى "البدائع" في منتصف الخمسينيات، وهو في تلك الفترة محرم عند كثير من الناس، لأنه ينشر الرذيلة ويقضي على كل فضيلة، وتم تهريب راديو جاء به أخوه من الرياض عبر مأمورية سرية، ووضع في غرفة داخلية حتى لا يُسمع خارج البيت، لكن الراديو طوى لهم المسافات وسرد لهم الأخبار.

 وإذا كان من شروط السيرة الصراحة فإن الهذلول كان مستجيبًا لشرح كل ملابسات سنوات الطفولة والصبا والمدارس التي انتظم في فصولها من الجلوس على الرمل إلى المقاعد الخشبية، ومن ثم السفريات والقراءات الأولى، وتأثير المدرس المصري، ثم كان النزوح إلى العاصمة الرياض للإلتحاق بمدرسة ثانوية صناعية ليلية حتى يتسنى له العمل بالنهار، وإلى كلية الهندسة في "عليشة" بالرياض في تخصص العمارة.

كانت محطة مهمة للهذلول تعرفه إلى أستاذه وصديقه فيما بعد وحتى حضوره وحديثه الشيق في ندوة بيت يكن، المعماري المصري عادل إسماعيل الذي رتب له ولثلاثة طلاب آخرين، وهم في السنة الرابعة، رحلة إلى جامعة "كارلسروها" بألمانيا مدة ثلاثة أسابيع.

وانطلقت الرحلة برًا في صيف 1971 من الرياض إلى الجامعة الألمانية، وبسبب المواقف والحوادث والمفارقات وصلت سيارتهم متأخرة أسبوعًا، فلم يذهبوا للجامعة غرض الرحلة الأصلي وأكملوا الاستمتاع بالرحلة الأوروبية الأولى لهم، وكأن الطريق والرحلة أجمل من الوصول.

وكان أمرًا مؤثرًا للغاية انحناء يوغوسلافي مسلم ليبكي ويقبل لوحة سيارتهم لأنها كانت "خصوصي المدينة المنورة"، بعد تخرج الهذلول وتعيينه معيدًا في صيف عام 1972، بدأ يراسل الجامعات في أمريكا للحصول على الماجستير، وتلقى رفضًا من إحدة عشرة جامعة، وقبول مشروط من جامعة واحدة، ثم موافقة من جامعة هارفارد في بوسطن.

وفي صيف 1973 طار من "البدائع" إلى أمريكا، لينقلنا إلى رحلة تعليمية شائقة وحرجة في المجتمع الأمريكي، إلى أن يحصل على الماجستير، ثم الدكتوراه في عمارة المدينة الإسلامية، وعاد بالدكتوراه في بداية العام 1981، وباشر عمله كأستاذ مساعد في قسم العمارة بكلية الهندسة جامعة الملك سعود. وتولي بسرعة الإشراف على قسم العمارة ثم رئيسا له في عام 1982.

وفي العام التالي تحول القسم إلى كلية التخطيط والتصميمات العمرانية، وسرعان ما يترك الجامعة ليقبل عرضًا من وزير الشئون البلدية والقروية إبراهيم العنقري، وهو منصب وكيل الوزارة لتخطيط المدن وباشر العمل في أبريل 1984 حتى تقاعده عام 2004، ومن ثم عودته إلى الجامعة.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
محمد الشاذلي يكتب: 1922

كان عام 1922 ـ قبل مائة عام من الآن ـ استثنائيًا في تاريخ مصر الحديث.. فقد تحولت مصر من سلطنة تتبع العلم العثماني إلى مملكة مستقلة

محمد الشاذلي يكتب: "ميرزا" رئيس تحرير الأهرام الغامض

كما سلك كثير من اللبنانيين طريقهم إلى مصر كصحفيين ومفكرين وتجار ومترجمين ودارسين، وصلت إلى القاهرة عائلة رئيس تحرير الأهرام عزيز ميرزا

محمد الشاذلي يكتب: في ذكرى ميلاد محفوظ الـ 110

هي ذكرى ميلاد نجيب محفوظ الـ110 ونأسف أنه ليس بيننا رغم بقائه الشامخ في الواقع الثقافي المصري بإبداعاته المفتوحة والمعبرة عن ما عاشه، والعابرة لزمانه إلى وقتنا الراهن.

محمد الشاذلي يكتب: قضية المياه العربية

تتعقد قضية المياه في الدول العربية بشكل يدعو إلى القلق، والتعقيدات التي تغذيها دول الجوار العربي هائلة من تركيا مع كل من العراق وسوريا، وإسرائيل مع الأردن،

محمد الشاذلي يكتب: عمان .. نحو الحداثة والمواجهة

تحتفل سلطنة عمان هذه الأيام بعيدها الوطني الـ 51، وهي تواجه تحديًا كبيرًا نحو الحداثة وفي مواجهة تحديات داخلية وخارجية، في الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ

محمد الشاذلي يكتب: نهر الكونغو .. أين المعضلة؟

يرى كثير من المصريين من خبراء المياه ومن أوساط الرأي العام أن حل أزمة المياه في مصر يكمن في زيادة ورفع كفاءة الموارد المائية، ومن بين الأفكار والمشروعات

محمد الشاذلي يكتب: ما الذي يعطل قناة جونجلي الآن؟

قال الملك في قصة : أليس في بلاد العجائب للكاتب الإنجليزي لويس كارول: ابدأ من البداية، واستمر حتى تصل إلى النهاية، وعندئذ توقف .

محمد الشاذلي يكتب: زيارة إلى بورسعيد

خرجت من زيارة بورسعيد أخيرًا بانطباعات متنوعة، تبدأ بالارتياح إلى المدينة وأهلها وسلوكياتهم الهادئة، خصوصًا أنني من أبناء القاهرة، وعاصمة المعز أحد أكثر

محمد الشاذلي يكتب: "..وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ"

كم كان قرارا متشنجا وعصبيا بتجميد مقعد سوريا في مجلس جامعة الدول العربية، بينما استمرت سوريا تشغل مقعدها في الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة.

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (4 - 4)

وقَّعَ الأستاذ نجيب محفوظ في شهر فبراير 1973 في مكتب الأستاذ توفيق الحكيم في الأهرام على بيان الكتاب والمثقفين الذي يطالب بإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم،

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (3 - 4)

احتفل الأهرام بعيد الميلاد الخمسين للأستاذ نجيب محفوظ، وكان صاحب الفكرة أحد أفراد شلة الحرافيش وهو الرسام والشاعر صلاح جاهين، لمعرفته بولع الأستاذ محمد

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (2 - 4)

أعادتني دراسة الدكتور محمد حسام الدين إسماعيل الصحفي في أدب نجيب محفوظ (العربي للنشر 2021) إلى الأجزاء الأربعة من كتاب الناقد والمبدع مصطفى بيومي معجم

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة