آراء

د. إسلام عوض يكتب: للعارفين بالله كتابان

11-1-2022 | 12:08

الحكمة ضالة المؤمن، وهي كنز لو تعلمون عظيم، يحصل بها المرء على الخير الكثير والفضل الكبير، وتزيد صاحبها شرفًا على شرفه وتُعلي من شأنه وهمته، وتدل على كمال العقل وفطنته، وتجعل صاحبها محبوبًا، وفي كل المجالس مطلوبًا، قال تعالى: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا).

والمرء إذا اعتمد على عمله من الطاعات والعبادات والقُربات، فإنه إذا قصر أو وقع في زلل أو ارتكب معصيةً من المعاصي، ضعف رجاؤه ويقينه في الوصول إلى مراده ومبتغاه.

وأشار العلماء إلى فريقين من المؤمنين وهما (العُباد والمريدون)، وكل منهما يعتمد على جوارحه في العبادات من صلوات وزكوات وحج وصدقات وصوم وأذكار وغيرها، للوصول إلى هدفه ومبتغاه.

وعلى الرغم من اعتماد كل من الفريقين على أعمالهم وطاعاتهم، ولكن يختلف هدف كل منهما عن الآخر، فـ"العُباد" هدفهم الوصول إلى الجنة والتنعم بنعيمها، والنجاة من النار وعذابها.

أما "المريدون"، فهدفهم الأسمى من عباداتهم هو الوصول إلى رضاء الله تعالى، وكشف الأستار والحجب عن القلوب، ومعرفة المكاشفات والأسرار، والتحليق في عالم الملكوت، والرؤى المنامية الصادقة. 

ويجمع كل من الفريقين العُباد والمريدين اعتقادهم أنهم إذا قصروا في العبادات أو ارتكبوا إحدى المعاصي ضعفت عزيمتهم وقل رجاؤهم في الوصول إلى مرادهم ومبتغاهم.

ولكنْ هناك فريق ثالث؛ وهم العارفون بالله، وهؤلاء يصلون ويزكون ويصومون ويحجون ويذكرون الله كثيرًا مثل العُباد والمريدين؛ ولكنهم لا يعتمدون على تلك الطاعات والعبادات - على الرغم من اجتهادهم فيها - لا يعتمدون عليها في الوصول إلى غايتهم ومبتغاهم، بل إنهم إذا قصروا في الذكر أو العبادات أو ارتكبوا معصية، يعتبرون ذلك من القضاء والقدر الذي كتبه الله عليهم، ولا يضعف رجاؤهم ولا تفتُر عزيمتهم في الوصول إلى مبتغاهم؛ وهو توحيد الله والتفكر في ملكوته، وأنه لا طاعاتهم ولا معاصيهم تحول بينهم وبين المضي قُدمًا في طريق التوحيد والتفكر في ملكوت الله ومخلوقاته، فهم يسعون إلى معرفة الله عن طريق التأمل في ملكوته والتدبر في آياته القرآنية والكونية.

كما يرون أنه لا فضل لهم إذا وفقوا للطاعة؛ بل يرجعون الفضل كل الفضل لله تعالى؛ لأنه هو الفاعل الحقيقي سبحانه وتعالى، كما يرون أن اجتهادهم في العبادة أو تقصيرهم فيها لن يحول دون السعي والمضي قُدمًا في طريقهم، ولا يرون لهم طريقًا غير طريق طاعة الله وعبادته وتوحيده والتفكر في ملكوته سبحانه وتعالى.

والعارفون بالله يؤمنون بأن لله تعالى كتابين؛ الأول "مقروء"؛ وهو القرآن الكريم، والثاني "مشهود"؛ وهو الكون بسماواته ومجراته وأراضيه وبحاره ومخلوقاته التي لا تعد ولا تحصى، ويعملون على التعرف إلى الله من خلال كلا الكتابين القرآن الكريم، والكون المحيط، حيث يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران 191).

الخلاصة هي أن كلا من "العُباد والمريدين" يرون أن أي تقصير يقع منهما في الطاعة والعبادة - سواء كان غفلة أو معصية - يكون سببًا في ضعف عزيمتهم ورجائهم في الوصول إلى الهدف المنشود، أما "العارفون بالله"، فهم يعتقدون أن كل طاعة لهم أو غفلة منهم مرجعه إلى الله تعالى، ولا حول لهم ولا قوة في ذلك، فهم غارقون في بحار التوحيد والتفكر في ملكوت الله، وقد استوى لديهم الخوف والرجاء، فلا ينقص العصيان خوفهم، كما لا يزيد الإحسان رجاءهم، ولا يعوقهم شيء عن المضي قدمًا في طريقهم إلى الله.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إسلام عوض يكتب: فاصبر على ما لم تُحط به خُبرا (2 - 3)

إن الله إذا أحب عبدًا امتحنه، وليس هناك امتحان للعبد أبلغ من الحزن، فعند الابتلاء تنكشف للعبد عدة حقائق؛ أولاها قوة إيمانه وصبره وتحمله، وثانيتها حقيقة كل من حوله ومدى إخلاصهم أو نفاقهم

د. إسلام عوض يكتب: «فاصبر على ما لم تُحط به خُبرا» (1 - 3)

لا شك في أن الله سبحانه وتعالى هو المدبر لكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون؛ بسماواته ومجراته وبحاره وأراضيه، وكل ما نعلم وما لا نعلم.

د. إسلام عوض يكتب: عام جديد .. كذب المنجمون ولو «صدفوا»

في مثل هذه الأيام من كل عام؛ تتجه معظم وسائل الإعلام إلى المنجمين والعرافين والكهنة، الذين يقومون بدورهم بالحديث عن تنبؤاتهم لأهم الأحداث التي يتوقعونها في العام المقبل

د. إسلام عوض يكتب: حقيقةُ كونيةِ القرآنِ وإشاراتِه النورانية

أرسل الله تعالى رسله مبشرين ومنذرين؛ مبشرين المؤمنين بالجنة ونعيمها، ومنذرين الكافرين المكذبين بالنار وعذابها، مؤكدين أن هناك حسابًا وحياةً أخرى بعد الموت

د. إسلام عوض يكتب: العالم يحتفي باللغة العربية .. ولكن هل نحن عليها محافظون؟!

يحتفي العالم اليوم باللغة العربية لغة الشعر والسحر والإبداع، لغة الجمال والقوة والإمتاع، فلغتنا العربية لغة ثرية وعبقرية تتخطى حدود الزمان والمكان

فضل كورونا على التخطيط الإستراتيجي والبرامج التدريبية

برغم ما عانيناه - وما زلنا حتى هذه اللحظة - من فيروس كورونا، وما حصده من أرواح بريئة؛ فإن له بعض الإيجابيات؛ فبالإضافة إلى أنه جعل البحوث الطبية وعلماء

"مناهضة العنف لحياة برفق" (2 – 2)

حضرت وتابعت أمس واليوم - عبر تطبيق زووم - انطلاق المؤتمر الافتراضي الدولي الأول مناهضة العنف لحياة برفق كعضو في اللجنة الإعلامية للمؤتمر، والذي عقد

"مناهضة العنف لحياة برفق" (1 - 2)

كان لي عظيم الشرف أن أحضر انطلاق المؤتمر الافتراضي الدولي الأول مناهضة العنف لحياة برفق عبر تطبيق زووم كعضو في اللجنة الإعلامية للمؤتمر، والذي بدأ

فتاة المطار

بين حين وآخر يطل علينا السوشيال ميديا بفيديوهات تنتشر بسرعة البرق، وقطعًا الفضل في ذلك يعود لثورة التكنولوجية، فأصبح تداول المعلومة سريعًا ولحظيًا، وبعض

"لا حياة مع الغربان"

آلاف الصواريخ التي أطلقتها فصائل المقاومة الفلسطينية الباسلة على المدن الإسرائيلية، ردًا على اعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي على إخواننا الفلسطينيين العزل

هذه هي ليلة القدر

على الرغم من أني لا أعول كثيرًا على الإعجاز العددي في القرآن الكريم؛ ولكن استوقفني وأدهشني بل وأذهلني، أن أجد أن سورة القدر - التي أخبرنا المولى عز وجل

.. وانتصف الشهر الكريم

ها هو الشهر الكريم قد انتصف، ومرت أيامه بسرعة، ولم نشعر بمروره وتسربه من بين أيدينا، فكل الأيام الحلوة تمضي سريعًا، وطوبى لمن اجتهد مع الله ومع نفسه في

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة