Close ad

د. مجدي العفيفي يكتب: أوراق منسية (3)

5-1-2022 | 14:22

الحضارة الإسلامية هي المرشحة لقيادة مسار العالم
(11)
قل هي رؤيا.. ذات أبعاد شفيفة مستقاة من القراءة الكاشفة للحظة الراهنة بتاريخيتها واجتماعيتها  ..

قل هي رؤية واقعية مرتكزة على مشاهد ماثلة وملتحمة بشواهد دالة..

قل ذلك، وأكثر من ذلك، ذلكم أن الرأي عندما يصدر من ذوي الاختصاص تصبح له قيمة مضافة، لاسيما في مناخ مشحون بالثرثرة في كثير من الفضائيات والمنتديات والصالونات التي تتخذ من الثقافة سبيلًا سيئًا وتتمسح في أردية الفكر والفكر  الحقيقي منها براء، ثم هو مناخ فكري يحتاج عمليات فرز آن لها أن تتحقق بعد طول معاناة.. وينبغي طرح المسكوت عنه، والتفكير العميق في اللامفكر فيه، فقد يعتدل الميزان الاجتماعي والمجتمعي.. ربما!!

(12) 
في هذه الأجواء يتعاظم صوت مفكر ثوري عظيم، مثل الدكتور حسن حنفي أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، والذي استطاع بجدارة أن يجاوز فكره أسوار الحرم الجامعي ليتجادل مع المجتمع زمانًا ومكانًا وإنسانًا، ووضع على رفوف المكتبة عشرات المؤلفات الثمينة التي تخترق حصار الزمن، وتحاور الآخر بالعقل والمنطق والوجدان معًا في سردية فلسفية تزاوج بين ثنائية العمق والبساطة في الطرح والتناول، إذ يتخذ من المنهجية الفكرية الفلسفية سبيلًا قويمًا، بعيدًا الأبراج العالية التي يقبع فيها الكثير من المثقفين الذين ينتظرون حتى يتم الحدث ثم يصفقون مع المصفقين أو يرفضون مع الرافضين.

وفي هذه السطور الأخيرة من الورقة التي استخرجتها من ذاكرة أوراقي الحية، التي انضوت تحت سؤال كبير: في أي عصر من التاريخ نحن نعيش؟

(13) 
وحدثنا مفكرنا الثوري في الصفحات السالفة أن هذا السؤال قد طرح منذ عدة عقود من الزمان، وبطرق متعددة، خاصة بعد قيام النهضة العربية الحديثة، بتعثرها مرة وتقدمها مرة أخرى، وبعد تقدم الحضارة العربية، واختلاف التاريخين الهجري والميلادي، والحكم بأننا نعيش عصر العلم والتكنولوجيا، وأننا مازلنا نركب الحمير والجمال، وبالتالي برز السؤال: في أي عصر من التاريخ نحن نعيش؟

وفي منظوره أن هناك عدة عصور، وعدة تواريخ، قد يوجد إنسان أو حضارة على نحو متزامن من إنسان أو حضارة أخرى ومع ذلك لا يوجدان في عصر واحد، والأوروبي والعربي، والإفريقي كلهم متزامنون، ولكن هذا يعيش عصر القيادة، وذلك يعيش عصر الغابة والصحراء، وبالتالي فالتاريخ كوعي حضاري، يختلف آثاره من حضارة إلى حضارة، ومن شعب إلى شعب.

(14) 
وتأسيسًا على ذلك يقول لنا اليوم أن هناك إجابات عديدة، على مدى مائتي عام على السؤال: في أي عصر من التاريخ نحن نعيش؟ وبطبيعة الحال هناك قاسم مشترك بينهما، حتى بما في ذلك الإجابة المتشائمة.

إن ما حدث في آخر مائتي عام إنما هو بداية مرحلة جديدة وثالثة في مسار الحضارة الإسلامية التي بدأت خمسة عشر قرنًا، وقامت بأول فترة حضارية في القرون السبعة الأولى، بدأ القرن الأول والثاني، ثم بعد عصر الترجمة، بدأ الإبداع في الثالث والرابع، وبلغ الذروة في الرابع عصر «البيروني» و«ابن سينا» و«التوحيدي» و«المتنبي».
 
ثم بدأ الانهيار في القرن الخامس، بفعل «الغزالي» وإعطائه «الأشعرية» كأيديولوجية مطلقة للطاعة للمملوكين، والرضا والصبر، والقناعة والتوكل.. ولم تشفع بارقة «ابن رشد» في القرن السادس الهجري، في أن تجعل الخط مستمرًا في الصعود.. ويبدو أن الحضارة قد هدمت، وبالتالي كان آخر الإبداعات هي تهميشات صغيرة.

ثم أتى «ابن خلدون» في القرن الثامن الهجري ليؤرخ لنا هذه الفترة في الحضارة العربية الأولى، وكيف قامت النهضة العربية ولماذا انهارت وذلك في نظريته المشهورة «النظرية الدائرية»:
 
(15) 
ثم يتوقف حسن حنفي عند الانتقال من البداوة إلى الحضارة، ثم العودة إلى البداوة من جديد، في عدة أطوار لا تزيد على مائتي عام.. وأن الروح المحركة لهذه الدورة هو ما أسماه بـ«العصبية» والعصبية لا تعني الجنس ولا العرق، ولكنها تعني روح الجماعة، التي عرف بها البدو، وأن الحضارة هي تفتت وتفكك وإضعاف هذه الروح الجماعية.

ثم عشنا بعد ذلك، العصر التركي، والمملوكي والعثماني حوالي ستمائة عام اخرى، منذ فتح «محمد الخامس» للقسطنطينية حتى عشية النهضة العربية، فهناك سبعمائة سنة أخرى، آخرها نهضة عربية، أو مجالات لنهضة عربية تقوم أو تتعثر، وكان هناك دورة ثابتة تم إغلاقها، بما يسمى عصر الشروح والملخصات..

(16) 
ويواصل الرصد والتحليل .. فإذا كان الحضارة في الفترة الأولى قد أبدعت واعتمدت على العقل، فإن الحضارة في الفترة الثانية، توقفت واعتمدت على الذاكرة، فقامت أكبر محاولات لتدوين الموسوعات الكبرى مثل (صبح الأعشى) و(النجوم الزاهرة) وغيرها..

نحن إذن على أعتاب نهضة جديدة، مسار جديد، وتحول جديد من السبعة قرون الثانية إلى ربما سبعة قرون ثالثة تبدأ من القرن الخامس عشر.
 
(17) 
يطالبنا المفكر الراحل أن ننظر إلى هذا المسار التاريخي الطويل.. لنجد الإجابة على السؤال الدائم: في أي عصر من التاريخ نحن نعيش؟

ويرسم أكثر من خيار ويترك لنا الحرية الاختيار والنظر والمنظور:

إذا اخترت التحديد التاريخي الصغير لمائتي عام فإن الإجابة تتراوح بين النهضة، والإصلاح الديني، الحركة الوطنية الثورة، التغير الاجتماعي والإفلاس.

ولو أخذت المنظور التاريخي الكبير، فإننا في نهاية السبعمائة الثانية وبداية السبعمائة سنة الثالثة، أي بداية ارتفاع القوس من جديد.

(18) 
وفي هذه يكون لديك نظرة أكثر تفاؤلية، لأن منذ مائتي سنة نحن نصعد، ربما هناك بعض النزول، لكن في الخمسمائة سنة القادمة، ربما نستطيع أن نلحق بركب الحضارة والتطور، كما كنا في الفترة الأولى في القرن الرابع الهجري، خاصة وأن الشعوب العربية، قلب الشعوب الأفريقية والآسيوية، وأمريكا اللاتينية، تمثل وعيًا إنسانيًا جديدًا خاليًا من العنصرية، وخاليًا من التمركز على الذات، خاليًا من الإحساس بالعظمة أمام ذات الشعوب وبقية الحضارات، وأن الحضارة الأوروبية التي كان لها سبق الريادة في آخر الخمسمائة عام، بدأت في الأفول والضعف، وانتهت إلى الشك والنسبية والعدمية.

(19) 
وبالرغم من التعثر الحالي للحضارة الإسلامية، فهي مرشحة إلى أن تكون في الخمسمائة سنة القادمة ذات فضل ريادي وتقود مسار التاريخ العالمي.

(20 )
تلكم هي نظرة المفكر د. حسن حنفي، وذلك هو منظوره الفكري، وهو فكر على واقع، وليس فكرًا على فكر، وكذلك هو شأن الفكر العظيم، العظيم من العباد هو ما تعذر على عامة الناس إدراك أبعادهم وأعمالهم إلا بالدرس، وأن عظمة الإنسان تقاس إلى من دونه من البشر، وأما عظمة الله سبحانه فهي لا متناهية ومطلقة، والعظمة بمعناها الصحيح كالشهب تسطع في السماء، حينًا بعد حين، ويظل وهج الشهاب هاديًا للناس مدة طويلة حتى بعد غيابه، ومن ثم فإن العظمة في العباد إنما تكون للأنبياء والعلماء والمصلحين الذين تتحول بهم شعوبهم حالًا بعد حال، طبقًا لتوصيف أستاذنا ومفكرنا العظيم زكي نجيب محمود، الذي نتوقف معه في لطيفة من لطائفه الفكرية في هذا السياق الحضاري الإسلامي والعالمي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة