Close ad

د. حسام الإمام يكتب: حدث بالفعل.. الطيارة تغرق (1)

3-1-2022 | 20:04

أقلعت الطائرة من مطار دبي متجهةً إلى مطار سيدني فى أستراليا، سعادة لا توصف، فهى المرة الأولى التى أزور فيها أستراليا، ويحتمل جداً أن تكون الأخيرة.. لذلك؛ ولأننى من عشاق السفر فقد اعتبرتها فرصة لا تتكرر وقبلت على الفور دعوة جامعة "نيو إنجلاند" لإلقاء محاضرة عن القانون الدولى للمياه على الرغم من تحملي لنفقات التأشيرة والانتقالات الداخلية وتكاليف الطعام.

ونظراً لطول المسافة كان لا بد من الانشغال بشيء ما، لجأت إلى قراءة بعض الصحف ثم جاء دور التليفزيون، شاهدت فيلماً تلو الآخر حتى مللت وبدأ النعاس يغالبنى.

فجأة انطلق صوت قائد الطائرة: من فضلكم اربطوا الأحزمة.. عادى جداً.. هذا يحدث دوماً.. دقيقتان من الاهتزاز العنيف الذى فسرته حسب خبرتى أن سببه المطبات الهوائية، ومتعجبًا من الرعب الذى كان يغلف وجه السيدة الأسترالية العجوز التى تجلس بجواري هى وزوجها، والذى كان يعطى رسائل مرعبة على عكس تفسيرى للموقف.

دقائق قليلة أخرى وجاء صوت قائد الطائرة: برجاء ارتداء جاكيت النجاة الموجود تحت الكرسى! التفتُّ إلى جارتى وزوجها لأجد وجوهاً أشبه بــ "الزومبى" قد تحجرت تماماً فقلت لهم ألا تسمعون؟ ارتدوا جاكيت النجاة، لم أتلق أى إجابة، فقط نظرة متجمدة من عيون السيدة الزرقاء وكأنها تقول أي جاكيت نجاة أيها الأحمق؟!! نحن نطير وسط المحيط فما الفائدة؟ لم أكترث لها والتقطتُ الجاكيت وارتديته وبدأت فى قراءة القرآن الكريم وكلي يقين أن الله سوف ينجينى من هذا الأمر.

بعد برهةٍ، بدأ قائد الطائرة فى تذكيرنا بصوت مضطرب بما يجب فعله عندما تستقر الطائرة على المياه والتعليمات الخاصة بالجالسين بجوار أبواب الطائرة وكيف يفتحونها، وقوارب النجاة... إلخ.

الغريب أنني كنت هادئاً، ولا أبالغ عندما أقول إنني كنت أنظر حولي بشيء من الاستغراب لما يعلو الوجوه من القلق والاضطراب! لا أدري من أين جاءني هذا الهدوء، هل هو قمة الإيمان بقضاء الله سبحانه وتعالى الذى لن يمنعه شيء؟ هل هي بلادة وغباء يحُولان بينى وبين استيعاب خطورة الموقف؟ هل تحجرت مشاعري رعباً وخوفاً مثل جارتي الأسترالية؟ لا أدري.. لكن هذا ما حدث.

وبدأنا نشعر أن الطاقم قد فقد السيطرة على الطائرة، وشيئاً فشيئاً بدأت الطائرة بالهبوط.. أقصد السقوط في اتجاه المحيط.. فى تلك اللحظة فقط بدأ إحساس غريب ينتابني وأسئلة كثيرة تدور في ذهني، لم أتذكر زوجتي ولا إخوتي ولا أولادي، فقط؛ تساءلتُ إلى أين أنت ذاهب، هل أنت مستعد لهذا اللقاء؟ ماذا أعددت له أيها الأحمق أم كنت تظنه لن يأتى؟ وازدادت سرعة هبوط الطائرة بشكل مرعب، ساد الصمت كل الأركان وكأن الجميع قد تجمدوا فى أماكنهم، شعرت كأن كل الركاب قد قتلتهم الصدمة وأننى الوحيد الباقى على قيد الحياة.. لماذا؟ هل أنا حجر لا يحس ولا يشعر بحجم الكارثة؟ أم أنها رحمة من الله بهم ليريحهم من عذاب الموت غرقاً، وغضباً منه تجاهى لأواجه تلك اللحظة وحدى؟ أو ربما هي رحمة بى أيضاً لتكفر تلك الموتةُ الرهيبةُ شيئًا من ذنوبي.. ربما!

ارتطمتِ الطائرة بالمياه، وفجأةً وجدتُ من ظننتهم موتى من حولي يتحركون بسرعة تجاه الأبواب للخروج إلى قوارب النجاة.. وخرجت معهم لكنني سقطت في المياه ومعي آخرون.. استنجدنا بمن في القوارب لكنهم لم يلتفتوا إلى أحد.. كانت المياه باردةً جداً بدأت أشعر بتجمد أطرافى، أحسستُ أن جسدي يعلن فشله فى البقاء والصمود ويخبرني على استحياء أن الاستسلام هو أنسب الحلول، لم أقتنع بذلك وحاولت باستماتة أن أنجو بنفسى، لكن الجسد كان قد عجز تماماً عن أن يفعل أفضل مما فعل، وقرر أن يتعامل مع الموقف وفقاً لإمكانياته المحدودة وأن يتركنى مع طموحاتي التي يعلم أنها لن تستمر سوى لحظاتٍ.

وبدأت أشعر بالمياه تملأ صدري وأنا أسقط إلى أسفل وصوت حشرجة عنيفة تخنقني، ويد تهزني بشدة، انتفضت في مكاني لأجد السيدة العجوز، جارتي الأسترالية تبتسم وتقول اهدأ.. ماذا حدث؟.. كنتَ تحلم أن الطائرة تغرقُ.. أليس كذلك؟

ماذا؟!! هل كان كلُّ ذلك حلمًا؟ التقطتُ أنفاسي بصعوبة ونظرتُ إليها وإلى باقى الركاب وأنا لا أصدقُ ولا أستوعبُ أن كل تلك التفاصيل كانت مجرد حلمٍ.. يا ألله.

سألتني؛ هل هذه المرة الأولى التي تركبُ فيها طائرة؟ قلتُ: كلا، قد تكون المرة رقم تسعين! نظرتْ إليّ متعجبةً: إذن لِمَ كلّ هذا القلق؟ قلتُ لها: الحقيقة أنا سافرت كثيراً بالطائرة، لكنها المرة الأولى التى تستمر فيها الرحلة لمدة 14 ساعة متواصلة، لعلّ ذلك هو ما سبب لي هذا الكابوس.

ابتسمتْ وربتت على كتفى ثم انصرفت عني إلى زوجها.. وبقيتُ أنا طوال الساعات المتبقية مستيقظاً، حريصًا على عدم النوم وتكرار تلك المأساة مرة أخرى.

لكن؛ بقي سؤالٌ لا يفارقني حتى الآن: عندما تأتي تلك اللحظةُ، هل سوف تكون مستعداً لهذا اللقاء؟ ماذا أعددتَ له أيها المسكينُ؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: