آراء

مايسة السلكاوي تكتب: المطرية

25-12-2021 | 12:34

بدأ التاريخ من مصر.. فمصر هي التاريخ والتاريخ هو مصر.. كل شبر على أرض مصر له حكاية.. بها أماكن لا زالت تحتفظ بتاريخها وجمالها وأخرى لم يتبق لها سوى أقل القليل من تراثها التاريخي برغم ضخامته وأهميته وتنوعه على مر العصور، بل فقدت جمالها ورونقها وتحولت إلى مناطق شعبية مكتظة بالبشر ومسرح للجريمة والإرهاب.

المطرية وهي من أعرق المناطق المصرية، فهي مدينة "أون" أول عاصمة لمصر الموحدة ما قبل الأسرات "مدينة الشمس"، وهي المطرية التي لجأت إليها العائلة المقدسة، فاختبأت تحت شجرة وانحنت عليهم بأغصانها حتى أخفتهم عن أعين رجال هيرودس، وهي بوابة الحجاج إلى مكة المكرمة، ومسرح لمعارك حربية، فكانت مدخلا رئيسيًا لمصر ومركزًا لاستقبال الوافدين.

عرفت المطرية بالعديد من الأسماء ففي المصرية القديمة كانت "أون" وفي القبطية "أونو" وفي اليونانية "هليوبوليس"، أما المطرية فهو اسم لاتيني يعني "مطر" أي الأم ويقصد بها أم العلوم فبها أول جامعة، وكانت للكهنة منذ خمسة آلاف سنة تعلم فيها فلاسفة روما، كما أطلق عليها بعد الفتح الإسلامي "منية المطرية" لكثرة حدائقها.

مدينة "أون" أقدم عاصمة حضارية وثقافية لمصر اشتهرت بالفلسفة وعلوم الدين وبالفلك بسبب ابتكار التقويم الشمسي؛ الذي تميزت به الحضارة المصرية، وعلى الرغم من أنها لم يكن لها دور سياسي، إلا أنها ظلت محتفظة بمكانتها الثقافية والدينية والحضارية، لأنها كانت عند الفراعنة مركزًا لعبادة الشمس والعلوم بأنواعها.

اختفت تلك المدينة ولم يتبق منها على الأرض سوى مسلة سنوسرت، وتعتبر أقدم مسلة تم العثور عليها حتى الآن، تسجل نقوشها الهيروغليفية اسم الملك ومناسبة إقامتها، وكانت لمرور 30 سنة على حكم الملك سنوسرت الأول، وكان يقابلها مسلة أخرى نقلت إلى مدينة نيويورك، كما تبق قليل من الآثار نقلت إلى المتاحف.

ارتبطت المطرية برحلة العائلة المقدسة التي بدأت من بيت لحم بفلسطين مرورًا بالعديد من المدن المصرية انتهاء بدير المحرق بأسيوط، ثم العودة مرة أخرى فرارًا من هيرودس.

نزلت السيدة مريم العذراء وطفلها السيد المسيح ويوسف النجار المطرية، عندما شعرت العائلة المقدسة بمطاردة هيرودس لها وقربهم منها، فاختبأوا تحت شجرة فانحت عليهم أغصانها وأخفتهم تمامًا عن أعين رجال هيرودس حتى مر الركب ونجوا من شرهم.

بجوار تلك الشجرة التي عرفت بشجرة مريم، عين مياه، فغسلت السيدة مريم ثياب طفلها منها وألقت بمياه الغسيل في الأرض، فأنبت نبات البلسان، وكان يستخرج منه دهن البلسان، ويتبرك به المسيحيون؛ لأنه شاف لكثير من الأمراض، ويقال أن هذا النبات لا ينبت في أي مكان آخر على الأرض، كان حاكم مصر يستخرجه لنفسه ويهادي به ملوك الإفرنج.

وعندما فتح السلطان العثماني سليم الأول مصر ذهب إلى بئر البلسان وغسل وجهه من مائها وأقام هناك إلى بعد العصر.

 وفي القرن التاسع عشر تم بناء كنيسة العائلة المقدسة، ومع مرور الزمن ضعفت الشجرة فقام بعض الكهنة 1656م بأخذ فرع من فروع الشجرة وقاموا بزرعها بكنيسة العذراء مريم المجاورة للشجرة العريقة، ومنذ فترة أخذ فرع من هذه الشجرة وزرعها ملاصقة للشجرة الأصلية العتيقة وهي مثمرة بالأوراق وثمار الجميز، ولا تزال شجرة مريم وحديقة البلسم "البلسان" إلى الآن.

مثلت المطرية مدخلًا رئيسيًا لمصر ومركزًا لاستقبال الوافدين والمسافرين من الحجاج والمحاربين، فكان الحجاج يجتمعون بجوار بركة الحج عند خروجهم مع المحمل إلى مكة المكرمة، وبعد أن أصبح الحج عن طريق البحر والسكك الحديدية ردمت هذه البركة، وكانت المطرية متنزها لسلاطين المماليك.

شهدت المطرية العديد من الحروب في العصور القديمة، فعندما حاول القرامطة غزو مصر أوائل حكم الفاطميين استطاع جوهر الصقلي ردهم عند المطرية، والمطرية كانت شاهدة على موقعة الريدانية التي تقع على مشارفها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مايسة السلكاوي تكتب: قصور تحكي تاريخ مصر (3-2)

يعتبر عصر الخديو إسماعيل أزهى عصور مصر عمرانيا وثقافيا وفنيا، فمثلما تشكل الوعي الثقافي في المجتمع خلال تلك الفترة، كانت هناك طفرة عمرانية هائلة بلمسات

مايسة السلكاوي تكتب: قصور تحكي تاريخ مصر (1/3)

تمتلك مصر كم هائل من القصور، تمثل معظم عصورها بدءا من عصر الفراعنة مرورا بالرومان والبطالمة والفاطميين والمماليك وصولا إلى العصر الحديث حيث المملكة المصرية.

مايسة السلكاوي تكتب: موروثات رمضانية

إللي بني مصر كان في الأصل حلواني .. مقولة شهيرة تعني جمال مصر.. ولكنها حقيقة بالفعل.. فكان جوهر الصقلي قائد الجيوش الفاطمية وباني القاهرة المعزية بارعًا في صناعة الحلوى

مايسة السلكاوي تكتب: بين القصرين

هناك كلمات تثير فى نفوسنا كمصريين الكثير من الذكريات والتقاليد الجميلة ، والتى تنفرد بها مصر عن غيرها من الدول الإسلامية ، فالأزهر والحسين وخان الخليلى وبين القصرين وشارع المعز

مايسة السلكاوي تكتب: حدائق المحروسة

تمثل الحدائق والمتنزهات حالة من البهجة والسعادة لكل من يرتادها ..فالحدائق بما تحمله من ألوان زاهية وعطر الورودالفواحة والهواء النقى ، يضفى شعورا من الراحة

مايسة السلكاوي تكتب: «إمبابة»

إنبابة هكذا كانت تسمى كما ذكرها الجبرتي، ومن المرجح أن اسم إمبابة الذي تعرف به الآن قد أطلقه تجار ورعاة الجمال الأمهريون القادمون من الحبشة، فإن إمبابة بـ الأمهرية تعني نخلة الدوم المصرية

مايسة السلكاوي تكتب: شريف باشا

لقب بـ أبوالدستور فهو مؤسس النظام الدستوري ومجلس النواب المصري، أحب مصر وأخلص لها، لو استمع العرابيون لنصائحه لسارت ثورتهم في الاتجاه الصحيح، وكانت مصر أمنت شر الاحتلال البريطاني

مايسة السلكاوي تكتب: باب اللوق

قبل أن يستقر نهر النيل عند مجراه الحالي في المنطقة ما بين مصر القديمة وروض الفرج، انحسر مجراه لأكثر من مرة متجها غربا خلال القرنين السادس والسابع الهجري، إلى أن استقر على النحو الحالي

مايسة السلكاوي تكتب: أحمد لطفي السيد

الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.. مقولة شهيرة، كثيرا ما نرددها، لكن ربما لا نعرف صاحبها، إنه أحمد لطفي السيد أحد العلامات المضيئة في عصر التنوير، إنها مقولة تدعو إلى الحوار الراقي والمتمدين

مايسة السلكاوي تكتب: محمد فرغلي باشا

محمد فرغلي باشا من أهم رجال الاقتصاد في مصر منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى ثورة 23 يوليو 1952م، فكان صاحب أنجح شركات القطن أطلق عليه ملك القطن ، رفض

مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة