راديو الاهرام

د. مجدي العفيفي يكتب: أوراق منسية (1)

21-12-2021 | 16:45

(1)
هذه ورقة منسية مفكر عظيم لا ولن ننساه.. إذ إن منظومته الفكرية تتجاوز الزمان والمكان والإنسان إلى آفاق أكثر رحابة..

فأما المفكر فهو الدكتور حسن حنفي أستاذ الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وصاحب عشرات الكتب التي تجمع بين التعادلية الصعبة: النارية والنورانية معًا.

وأما الورقة فقد عثرت عليها وأنا أعد كتابًا موسوعيًا: «أولياء القلم المصلحون» يطرح أوراقًا تنشر لأول مرة، ليس هذا فقط؛ بل وبخط يدي 12 مفكرًا وكاتبًا وأديبًا وشاعرًا كبصمة فكرية لهم. 

وأما المناسبة فهي رحيل هذا المفكر العظيم أفنى عمره في خدمة الفلسفة الإسلامية بمنظور تنويري حقيقي، وليس ذلك التنوير الذي يرادف «لعب العيال» ويدعيه كل من هب ودب، ويمارسها لقطاء في شارع الفكر بما يمسكونه من مصابيح ورقية صبيانية بهلوانية.

(2)
تعود الذاكرة إلى منتصف عقد السبعينيات.. زمانًا، وإلى بيت د.عبد المنعم تليمة.. مكانًا، وإلى ثلة من أساتذة الفكر والأدب والنقد بالجامعة، ومنهم د.عبدالمحسن طه بدر، د.جابر عصفور، ود.مصطفى نجيب، وغيرهم من المفكرين ذوي الاتجاه اليساري (الحقيقي طبعًا).
 
وكنت أيامها طالبًا في الجامعة وتلميذًا لهؤلاء الأساتذة العظام الذين تتلمذت على أيديهم علمًا وعملًا.. وفكرًا ضد السائد والمألوف.. وتفكيرًا في اللا مفكر فيه..!. 
 
في بيت أستاذنا الدكتور تليمة في حي «بين السرايات» بجوار الجامعة، كان اللقاء كل مساء ثلاثاء تتنازعه: جدليات تحطيم الأصنام الفكرية.. حواريات تحلق في فضاءات خارج الصندوق.. مناقشات تخل بالتوازن.. مناوشات تعصف بالنظام الثابت للأشياء.. تساؤلات صادمة حول أمور مستقرة، أو كان يخيَّـل إلينا ذلك..

(3)
من أصداء تلك الأيام ثمة سؤال صادم: في أي عصر من التاريخ نحن نعيش؟ وكان صاحب السؤال أستاذنا الدكتور حسن حنفي..

 يومها درت بدوامة سحر فكري، وتكاثرت في نفسي - الطامحة الى الجديد والجريء واللا مألوف - علامات استفهام شتى عن سؤال يخلخل الفكر الجاد والحاد.. نحن نعيش.. ونحيا؟ لكن ما الذي يحدث حولنا.. ويحدث لنا.. ويحدث منا.. ويحدث فينا..؟ من نكون..؟ أين نحن..؟ وماذا نمثل.. وأين الزمن الذي كان يتمثل بنا فيه؟ حتى إذا عثرنا على تحديد للعصر الذي نعيش فيه.. فكيف نحياه.. هل نحن ضحاياه.. ام ضحايانا؟ عصر بأي حال أنت يا عصر؟
إذا كان السؤال نصف الجواب.. وإذا كانت ثقافة الأسئلة هي سيدة الثقافات.. وهي التي أنجبت الحضارات عبر التاريخ.. فهل يمكننا أن نجيب؟.

 ما أسهل أن نسأل.. وما أصعب أن نجيب.. بعيدًا عن الأفكار المعلبة.. والتعبيرات الجاهزة.. و«الأكليشيهات» المحفوظة.. والمطبوعة عدة طبعات لأصل واحد.. هو أصل باهت ومزور..

لماذا لم نعد نندهش؟ مع أن الدهشة هي أول مبادئ الفكر الحي والفلسفة: اجتماعية أو سياسية أو كونية؟
هل من كثرة علامات التعجب.. صارت علامات الاستفهام مألوفة؟

إن السنوات.. والعمر الزمني الذي نعيشه بالأيام والسنين الآن.. يحمل كمية من التساؤلات التي تشبه القنابل الموقوتة.

ليست هذه مناقشة «قضية الأصالة والمعاصرة» فهذه قضية مغلوطة، اسمًا ومضمونًا، لأنها تجزئ الإنسان، فإما أنه يحبس نفسه في غرفته القديمة، وإما أن يلهث في شارع الزمن الحديث! ولكننا ندعو إلى معرفة «الآن»..لا معرفة «الماضي» ولا «المستقبل».. فقد شبعنا هروبًا من «الحاضر»..ولم نجرؤ على مواجهة «اليوم».

كل أحاديثنا السياسية والاجتماعية والثقافية وكل مناقشاتنا.. وكل أطروحاتك.. تدور حول الماضي والمستقبل.. كنا وكنا وكان وكان.. أو سنكون.. وسنفعل.. وسوف نكون.. وسوف نصبح.. أما «الحاضر» فهو «غائب» وما أصعب أن يصبح الحاضر غائبًا.. أو «مغيبًا» وما أقسى التوهان في عصر الاستعارة..!. 

(4)
ومرت الأيام.. ودارت بثنائياتها.. انكسارات وانتصارات.. عذاب وعذوبة.. رحيق وحريق.. فراق ولقاء.. موت وحياة.. وحياة بلا أحياء.. وناس يعيشون لمجرد أن يبقوا أحياء.. وفكر فقير.. وفقر فكر. على حد تعبير يوسف إدريس، وأتى علينا حين من الدهر دخلنا الكهوف ومكثنا حتى صرنا آية من آيات «ثقافة التخلف» على حد تعبير أستاذي د. جابر عصفور، حتى تاه الطريق من أقدامنا «يا عم من أين الطريق؟ أين طريق السيدة؟ أيسر قليلًا ثم أيمن يابني» لكننا أيها الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي يا صاحب هذا البيت الشعري، لم نكن نعرف اليمين من اليسار، وتذبذبت الجهات الأصلية الأربع، والسيدة.. سيدتنا مصر: معذبة..!

صراع وصداع وصراخ في الآبار القديمة، والصراع بين القديم والجديد حتمًا ينتهي لصالح الجديد كما يقول البروفيسور عبدالمنعم تليمة، لكن ما بال القديم المتهالك لاينهزم يا أستاذنا؟

 طال الانتظار؟ كأنه مقدر علينا أن ننتظر البطل؟ وهل نحن في زمن البطولات؟ والمعجزات؟ أبطلًا فرديًا سيكون؟ أم بطلًا جماعيًا سيظهر؟ كما ينتظر المفكر الصامت بهديره الأكاديمي د.أحمد شمس الدين الحجاجي؟ وغشيتنا مرحلة التصنيفات المذهبية الضيقة.. هذا ليبرالي.. وهذا ماركسي.. وذاك إخواني.. وسلفي.. وتراثي.. وحادثوي.. ويميني.. يساري.. متدين..لا ديني.. ملحد.. علماني.. أصولي..و..و.. كل هذه العائلة المسمومة فكريًا. 

ومكثت لغتنا قديمة بالية كأحذيتنا القديمة، كما يقول الشاعر نزار قباني، وخطاباتنا تائهة.. هشة.. محنطة.. مغشي عليها من التوهان في عصر الاستعارة.. 
 
(5)
المفارقة أنني بعد أربعين عامًا أو يزيد، تعمدت أن أسأل نفس السؤال للدكتور حسن حنفي بالذات: (في أي عصر من التاريخ نحن نعيش)، وذلك في المحطة العمرية الأخيرة لقطار حياته الثرية التي وهبها الرجل بكل ما يملك، لخدمة الفكر الإسلامي المستنير، بتجلياته وعظمته وقدرته.. بصيرورته وسيرورته وكينونته.. رغم أنف الظلاميين والانهزاميين والمخذولين والحاقدين والمتنطعين..! 

وكان عنوان الجواب: مفاجأة كبرى.. قائمة على البيانات.. وبعيدة عن التكهنات والتهافت والاستنتاجات... !!!.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة