Close ad

شريف سعيد يكتب: حدث في القرن الثامن عشر (1)

19-12-2021 | 17:37

عقب اغترابه سنوات بسراي السلطان في استانبول مشغلًا للساعات، عاد "إسحاق" أخيرًا لسويسرا وبيته وزوجته "سوزان". بدا أنَّ اللقاء بينهما كان صادقًا حارًا، حد أنها وضعت عقب هذا المساء بتسعة أشهر طفلًا جميلًا، سيتشرد كثيرًا قبل أن يكبر ويُرافق فتاة جاهلة وغسَّالة، ينجب منها أطفالًا ويضعهم بالملجأ، ويصبح أحد أهم شخوص القرن الثامن عشر والدنيا!

صرختْ سوزان وعضت الوسادة وهي تلد ابنها بجنيف في الثامن والعشرين من يوليو/ تموز عام 1712، قبل أن تتركه باليوم الثامن وتموت! شاءت الأيام أن يعيش الطفل الوافد يتيم الأم. رُبما هذا سيُفسر لنا على نحو ما، لماذا كان مغرمًا بكل النسوة اللاتي كن أكبر منه عمرًا. رُبما قد وجد فيهن أمهات محتملات، ورُبما هن قد وجدن فيه ابنًا يافعًا بهي الطلة! لكنَّ قميصه نادرًا ما قُد من دبر! على أية حال، قضى الطفل أعوامه الأُول بكنف أبيه. والده إسحاق كان يقرأ عليه كل مساء من كتب وروايات كانت في رف أمه حتى ينام. رُبما لولا تلك الهدهدة الليلية المعرفية لكبر الولد مجرد صعلوك يجوب أُورُوبَّا بحثًا عن لقمة عيش، لكن هكذا هي بذرة القراءة والأدب حين تُنثر في روح صغيرة، لا بدَّ لها في يوم غير معلوم وأن تُثمر.

لكنَّ أمان الأب لم يدم، فعقب خلاف مع أحدهم كاد يودي به إلى السجن، سافر الوالد وترك الطفل لخاله، كانت تلك بداية حقبة استمرت خمس سنوات، أحب فيها الصبي ذو العشرة أعوام مربيته الآنسة "لامبرسييه" ذات الأربعين عامًا حبًا عذريًا. ثم تضاعف حبه لها على نحو استشعرت معه الآنسة حرج السماح له بالمبيت في حجرتها. 

بعدها خرج من بيت خاله للحياة بين سويسرا وفرنسا التي هي بالأصل بلاده قبل أن يهجرها جده الرابع لأبيه، والذي كان بروتستانتيًا فرَّ من اضطهاد الكاثوليك بالقرن السادس عشر. لكن القدر أفضى بالصبي الذي صار مراهقًا إلى دخول أحد الأديرة الكاثوليكية بحثًا عن الذات. 

الأجواء بالدير لم ترق له سيَّما بعدما أراد أحد رفاقه الفسق به. وحين أذاع الواقعة، انتهره رهبان الدير بحجة تفاهة أمر لا يستحق الضجة! ولم يستطع الإفلات إلا عقب شهر حين تخلى عن البروتستانتية واعتُبر كاثوليكيًا فأُفرج عنه مع منحه 20 فرنكًا. أما مَن حاول التحرش به فقد ارتدى ثياب الطهر البيضاء! أحوال كلها سوف تساهم بنضج  فكرته حول عطب العالم من حوله.

لسنوات بين جنيف وباريس، شرع الشاب يحقق نفسه، من كاتب عمومي، لصانع ساعات، لخادم مائدة، لتعلم الموسيقى وإتقان تدوين النوتة. لكنَّ شغفه بالقراءة لم ينضب ومحاولاته الكتابة لم تتوقف. ثم تلقى النصيحة الرئيسة بحياته. قال له أحد القساوسة: "اعلم أن الإنسان لا يستطيع في باريس شيئًا إلا بمعونة النساء". 

وبدا أنه قد أنصت وأتقن إدارة ملكاته من دون ابتذال. هكذا دلف لصالونات المجتمع الفرنسي. تصفه إحداهن بمذكراتها: "عظيم العقل. أسود الشعر ذو عينين تتقدان. إذا تكلم ونظر إليه الإنسان رآه جميلًا". تقلب بالفراش رفقة راقيات عديدات على أساس رومانسي مُفلسف. من داخله كان ساخطًا عليهن وعلى مجتمع نخره السوس واحتاج لتغيير جذري.

وفي صيف 1749، وبينما يقلب إحدى المجلات، طالع إعلان أكاديمية "ديجون" وموضوع بحث جائزتها السنوية. قرر الكتابة والتقدم. لم يتصور أن أفكاره تلك سوف تغير العالم وستصبح إنجيلًا لثورة فرنسية قادمة. هذا وأكثر دونَّه الأديب المصري د/ محمد حسين هيكل بكتابه عن الفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو.. حياته وكتبه)، وللحديث بقية.

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر: twitter.com/sheriefsaid

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: