Close ad

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: الدين والسياسة .. ضبابية وصعوبة الرؤية (3-3)

19-12-2021 | 08:38

نتيجة صعوبة وتركيب العلوم السياسية وانتشار الأمية والأمية الثقافية وتراجع نظم التعليم والثقافة في وطننا العربي نجد من الصعوبة على أي مواطن عادي الخوض أو فهم الأحداث السياسية بوجه عام، وخاصة أنها ترتبط بمصالح اقتصادية وسياسية عالمية.

وكثير من الأمور السياسية غير معلن وغير واضح، مع وجود مؤامرات دولية ومحلية كل ذلك يؤدي في النهاية إلى رؤية ضبابية، وقد تكون خاطئة لأن غير المعلن في السياسة كثير، ولذلك من الأفضل عدم الخوض والحديث في السياسة إلا بعد دراسة موسوعية شاملة لكافة الأبعاد حتى لا يقع في الخطأ أو لا يظلم أحدًا، وخاصة أن مسئولية عالم الدين أخطر وأكبر من أي مجال آخر لأنه يقود الأمة، وعليه التريث قبل إعلان رأيه ودراسته مرة واثنتين وعشرة حتى لا يضلل الأمة؛ لأن دوره ورأيه مهم في المجتمع ويتحمل تبعات هذا الرأي وتأثيره على العامة وعلى المجتمع، وخاصة أن هناك مصالح وشبهات مثل الوصول أو التقرب من السلطة أو للقوى المعارضة.

فالمصالح والجوائز متعددة؛ سواء جوائز محلية ومراكز مرموقة، أو جوائز إقليمية من بلاد أخرى، ووظائف مجزية أو حتى على مستوى العالم كأن يتم تعيينه مستشارًا في إحدى المنظمات الدولية، أو جوائز عالمية وخلافه..

وبدون الدخول في تفاصيل الآن نجد كثيرًا من شيوخنا الكبار قد غيروا من آرائهم السياسية إلى العكس تمامًا أكثر من مرة؛ مما يعني ويؤكد أن الرؤية لم تكن واضحة لهم، ويؤكد ما سبق أن ذكرناه؛ فمثلًا بدون تأييد أو رفض أي موقف نذكر هذه الأمثلة:

الشيخ محمد الغزالي، انضم إلى جماعة الإخوان في الأربعينيات ثم هاجمها في عصر عبدالناصر، وانضم للاتحاد الاشتراكي العربي، ثم بعد وفاة ناصر هاجم ناصر.

الشيخ محمد متولي الشعراوي هاجم عبدالناصر، ثم بعد وفاته كتب مرثية كبيرة أشاد فيها بسياساته وإنجازاته على مستوى العالم، وكرر ذلك قبل وفاته مباشرة، وكان معارضًا لقانون تطوير الأزهر، ثم ذكر محاسنه بعد ذلك، وكثيرون من علماء الدين غيروا مواقفهم السياسية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر الشيخ القرضاوي كان مؤيدًا للقذافي وحافظ الأسد، وتم تكريمه في ليبيا وسوريا، ثم بعد ذلك كان من المؤيدين للثورة عليهما.

والأمثلة كثيرة في هذا المجال ونخرج منها بعدة حقائق؛ منها أن الأوضاع السياسية متشابكة ومعقدة وضبابية الرؤية، ثم إن التسرع في الحكم على هذه الأوضاع يعرض صاحب هذا الرأي للعديد من المشكلات والشبهات معًا، أقلها أنه لم يفهم الموقف فهمًا صحيحًا وأن معلوماته كانت ناقصة أو خاطئة، وأنه يجهل هذا المجال بدرجة أو أخرى.

ثم هناك شبهات الاستفادة أو التضرر؛ سواء من النظام أو معارضيه فيضع نفسه موضع الشبهات، ثم الأهم والأخطر تبعات ذلك لعالم الدين خاصة على المجتمع؛ لأن رأي عالم الدين الخاطئ يضلل أمة ويكون حسابه عسيرًا عند المولى الكريم؛ لأنه يتحمل تبعات كل من اقتنع بكلامه أو ساهم في تضليله فعالم الدين مسئوليته وحسابه عسير، ومن هنا عليهم التريث والتروي قبل الخوض في مجال السياسة؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).

ولأن المجال السياسي ملعب لكل التيارات والصراعات المحلية والإقليمية والدولية والعالمية، فإن شهادات بعض علماء الدين، أنفسهم ترى أن هناك أيادي خفية ودولية وراء نشأة بعض الجماعات الدينية، وأن ذلك جزء من مؤامرة دولية، وهنا نتذكر مقولة الشيخ الغزالي عن جماعة الإخوان المسلمين وعلاقة بعض قيادتها بالماسونية العالمية، وإن شاء الله سوف يأتي الحديث عن ذلك تفصيلًا.

تعليق عام
واضح أن كثيرًا من الأوضاع السياسية بوجه عام يكون غير معلن أو يقع ضمن اتفاقيات سرية لأغراض أخرى غير المعلن عنها، وبعضها يكون الظاهر فيها عكس الباطن، ومنها نشر أفكار دينية معينة ليس بغرض الدين، ولكن لتحقيق أهداف ومصالح سياسية.

وهنا نتذكر جميعًا حديث أحد المسئولين الكبار في الصحف الأمريكية بأنه تم نشر ومساعدة بعض أو إحدى الجماعات الدينية المتطرفة وأفكارها بناء على طلب الغرب لمواجهة أفكار عبدالناصر وروسيا، وهذا مثال يوضح أن الظاهر كان نشر الدين، ولكن الهدف الحقيقي سياسي لمساعدة الغرب على مواجهة أعدائه المتمثلين في نظام عبدالناصر والانتشار الروسي في المنطقة، وهذا التصريح اعتراف واضح بالأهداف الحقيقية من نشر هذا الفكر الديني، ولكنه جاء بعد أكثر من ستين عامًا، وهذا مجرد مثال من أمثلة كثيرة يؤكد أن القضايا السياسية بعضها أو كثير منها يصعب فهمه أو تفسيره؛ لأنه يحتاج كثيرًا من التروي والدراسة والوقت والحكمة للحكم الصحيح.

ثم لا ننسى أن هناك آلة إعلامية ضخمة لتزييف وإخفاء الحقائق؛ سواء من خلال الشائعات وتأليف الكتب والأفلام والمسلسلات لتشويه أو تلميع شخص أو نظام أو بعض القيادات، كل ذلك لمصالح وأغراض سياسية واقتصادية، هذا بالإضافة إلى ما سبق ذكره من صعوبة العلوم السياسية والدينية خاصة ما يصعب على أي تخصص منهما فهم الآخر والحكم السليم؛ لأنه إذا كانت العلوم الدينية مركبة وتحتاج إلى متخصص لعرضها وتفسيرها، ولا يقبل من غير المتخصصين الخوض فيها، فإن العلوم السياسية لا تقل صعوبة وتشابكًا عن العلوم الدينية.

وبالتالي فإن العلوم السياسية هي الأخرى صعبة ومركبة وتحتاج لمتخصص ورؤية موسوعية شاملة للحديث فيها أو تفسيرها أو الحكم على أحداثها، وتزداد الصعوبة والمسئولية والخطورة على عالم الدين عند الخوض في المجال السياسي لمكانته العالية ومسئوليته أمام المجتمع والأهم أمام المولى الكريم.

فعالم الدين يتبعه ويصدقه معظم فئات الشعب ويثق في كلامه، وبالتالي فهو يقود الأمة وينير لها الطريق، وعلى حسب المكانة تكون المسئولية وتكون خطورة الأخطاء؛ لأن غلطة الشاطر كبيرة وخطيرة وتضلل الأمة، لكن رجل السياسة يعمل وفقًا لمصالح متغيرة وضغوط متنوعة، وبالتالي فإن مسئولية وأخطاء عالم الدين أخطر وأكبر أمام الله والمجتمع، وتداعيات أخطائه كبيرة، كذلك يضع عالم الدين نفسه في موقف صعب عند الخطأ في الحكم على موقف أو قائد سياسي.

ويكفي دليلا على ذلك بتراجع كثير من علماء الدين أكثر من مرة عن آرائهم السياسية؛ مما يعني اعترافًا صريحًا بالخطأ وعن ضبابية الرؤية؛ مما يضعهم في موقف صعب، خاصة أن هناك من يستفيد من هذه الآراء، وهناك من يدفع ويشجع على موقف أو آخر، ويصبح عالم الدين متهمًا إما بعدم المعرفة ومحدودية الثقافة والفهم في المجال السياسي، أو بمجاملة بعض الأشخاص أو النظم للاستفادة منها.

ومن هنا تأتي أهمية التريث وعدم الخلط بين الدين والسياسة، فعلى السياسيين التريث عند الحديث في الشئون الدينية، أيضًا على علماء الدين عدم التسرع والخوض في الشئون السياسية إلا بعد الدراسة العميقة مرة وعشرة؛ حتى لا يضع نفسه في شبهة المصالح أو محدودية المعرفة الثقافية، وخاصة لأهمية دور عالم الدين في مجتمعنا أمام الله قبل المجتمع، وعلى الطرفين التريث والبعد بقدر الإمكان عن المجال الآخر؛ خاصة أن التجربة المعاصرة تشير لأخطاء كثيرة من الطرفين في مجتمعنا العربي.

والأخطر أن في كثير من الحالات كان تدخل علماء الدين يوجد كثيرًا من الشبهات حول الإسلام السياسي المعاصر، وارتباطه بالماسونية العالمية، كما ذكر بعض علماء الدين، وهذا ما ينقلنا إلى الفصل الثاني عن فكر ونشأة جماعة الإخوان المسلمين.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة