راديو الاهرام

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: ترند المتطرفين

7-12-2021 | 20:05

من أثقل الأمور وأكثرها سخفًا، والتي تشكل عبئًا وعائقًا رهيبًا، أمام مجتمعنا والمجتمعات الإسلامية قاطبة، الاضطرار لإضاعة وقت ثمين وإهداره في مناقشة بديهيات دينية قتلت بحثًا وتفنيدًا في عصور سالفة وحاضرة، بسبب خزعبلات وأراجيف تصدر عن أشخاص تلحق بأسمائهم ألقاب الداعية الذي لا يشق له غبار، والحجة والموسوعة في العلوم الشرعية، منحوا أنفسهم حق الوصاية على الآخرين، وتوزيع صكوك البركة والغفران والإيمان على مَن يشاءون، ويحب هؤلاء "الدعاة" بين الحين والآخر امتطاء صهوة جواد الترند.
 
نعم  جواد الترند، فمطربو المهرجانات والفنانات المغمورات وغيرهم ليسوا وحدهم الباحثين عن التربع على قمة الترند بالحق أو بالباطل، فهم أيضا ـ الدعاة والمتطرفون ـ باحثون عن الشهرة وزينتها وصولجانها، ومستعدون لاستخدام كل الوسائل غير المشروعة لنيلها والتمتع بها، لأن ما عاصرته مصر من أحداث وتطورات، خلال السنوات السبع الماضية كشفت الغطاء عنهم، وأزالت الهالة المحيطة بهم، وحرمتهم منِ منابرهم الفضائية الوثيرة، وأظهرت للعيان قدر جشعهم، وانتهازيتهم، واستغلالهم الدين لأغراض دنيوية محضة، وتكالبهم على تكوين الثروات وتشييد القصور الشاهقة، وضحالة وتردي مستواهم العلمي والديني، وتعمدهم تغييب وعي المتحلقين حولهم، وسلبهم نعمة إعمال العقل ومراجعة ما يخرج من أفواههم.
 
ركود سوقهم، وإعراض الكثيرين عنهم، وإدمانهم الشهرة وأضواءها الساطعة بشراهة، أقلق مضاجعهم ودفعهم للبحث عن الترند، ويا حبذا لو كان الهدف معشوق الجماهير المصرية والعالمية محمد صلاح، وهذا ما أقدم عليه نجل أحد الدعاة ذائعي الصيت، الذي أثار غبارًا كثيفًا، حول تصريح قاله صلاح في لقاء تليفزيوني بشأن عدم شربه الخمور، رغم إقامته مدة طويلة في بلاد الغرب، لكنه لم يجاهر بأن الإسلام حرم معاقرة الخمر مجاملة للغربيين.
 
صال وجال هذا الداعية وقارن بين صلاح ومحمد أبوتريكة المصنف ضمن قائمة الإرهاب، وله مواقف مخزية بحق بلاده، وشهر سيفه في وجه محمد صلاح، الذي أضحى قدوة ومثالا للساعين إلى تحقيق أحلامهم، وإيمانهم بمواهبهم وقدراتهم الفائقة، داخل وخارج مصر.
 
لكنني في المقابل سأرد على هذا الشخص الذي يسوؤني نعته بالداعية، بسؤاله: أليس الأقربون أولى بالنصيحة والإرشاد، وسهام الانتقاد، وليس أقرب إليه من أبيه الملقب من أتباعه بأنه من أعلم أهل الأرض، فلماذا لا يحدثنا عن دور والده في غسل أدمغة عشرات الشباب الغض البريء، وإرسالهم لسوريا للقتال بصفوف تنظيم داعش الإرهابي وغيره من التنظيمات والجماعات المتطرفة بدعوى نصرة السوريين في وجه نظام بشار الأسد.
 
وقُتلَ مَن قُتلَ من هؤلاء الشباب ويد والده ملوثة ومخضبة بدمائهم، ومساعدته فئة شوهت الإسلام والمسلمين بجرائم وفظائع ومذابح تعف الحيوانات الكاسرة في البرية عن ارتكابها، وكفرت الكل، فمَن ليس معهم وإلى جوارهم كافر، وتستحل دمه وماله وعرضه، وهل صارح والده بذلك؟ كلا، لأنه يُشاركه الأفكار والآراء والتوجهات نفسها، ولن أزيد على هذا.
 
ونأتي لأمر بديهي آخر، أيهما أنفع وأصلح للإسلام وأهله مَن يلتزم بسلوكيات تعكس وتبرز جوهره السمح الوسطي، وانفتاحه على أصحاب الديانات الأخرى في إطار من الاحترام والود المتبادل، أم مَن يُكفرون خلق الله، ويثيرون الفتن الطائفية، ويُشجعون الإرهاب والمنغمسين فيه، وينشرون التزمت والتطرف والتشدد والكراهية؟

في رأيي المتواضع أن الأولين هم الأنفع للإسلام والمسلمين بلا جدال، ومحمد صلاح يندرج ضمنهم، لأنه بأخلاقه وسلوكه القويم والهادئ، وإخلاصه في عمله لحدوده القصوى، قدم عمليًا الصورة الحقيقية التي يدعو إليها الدين الحنيف.
 
ثم إن هذا الملقب بالوراثة بالداعية يغفل عمدًا عن فهم وإدراك  طبيعة وحدود عمل ودور كل شخص، فصلاح لاعب كرة محترف وليس داعية، ولا يصح ولا يجوز مطالبته بخلط الأدوار والمهام، مثلما يفعل أبوتريكة وأقرانه، كذلك ألم يصل إلى مسامعه وعقله النابه ما أحدثه مو صلاح بحسن تصرفاته وإنسانيته وأعماله الخيرية من تبدل وتغير فكر العديدين عن الإسلام ومعتنقيه، وأن المؤمنين به ليسوا كلهم من الدواعش الأوغاد، وتراجع الإسلاموفوبيا في مدينة ليفربول، حيث يقيم اللاعب الفذ.
 
فضلا عن أن صلاح كان من الذكاء والفطنة  بفهمه عقلية الغرب وقواعده في العمل والتفكير والأداء، وأنه لم يأت  إلى بريطانيا، أو أوروبا لتغييرها ونشر الإسلام في ربوعها، وأبدى احترامه وتقديره الكبيرين لتلك القواعد والأسس المعتمدة على التنوع الحميد والصحي، ولذا نجح نجاحًا مبهرًا، وكان التفاهم متبادلًا ومقدرًا بين طرفي المعادلة، أي الغرب وصلاح.
 
في حين يفد للقارة الأوروبية عرب ومن جنسيات أخرى لا يرون فيها سوى أنها دار كفر وحرب، وأنهم مبعوثو العناية الإلهية لإقامة دولة الخلافة فيها، وبث الرعب والإرهاب بين سكانها، ما هذا الخبل والخلل العقلي والفكري، إن كنتم ترونها كذلك لماذا جئتم إليها من الأصل، طلبًا للحماية والرزق، والتمتع بنعيمها المقيم الرغيد؟
 
وغني عن البيان والذكر أن الغرب ليس كله من الأخيار الأبرار ولا الأشرار، وهو مزيج من الاثنين، والعهد الذي بيننا وبينهم يقضي باحترام خصوصية ومحاذير كل طرف، فمَن يقيم بالغرب عليه مراعاة شروط وأبجديات حياتهم، وإن لم يرض بها فليغادرها غير مأسوف عليه، ويعد من حيث أتى.
 
وندعو الله أن يرحمنا من وجوه تعكر صفو حياتنا، وينظرون للإسلام، على رحابته، من ثقب ضيق، ويرتدون أقنعة زائفة يدارون بها حقيقتهم واستغلالهم الدين وعدم إلمام البعض بجوانب معينة منه، ويودون فرض آرائهم دون أن يراجعهم أحد، ويُخرسون الأصوات الناقدة لهم بدعوى العداء للدين ومحاربته، ويتمادون بتكفيرهم مع أنهم هم أساس البلاء الواقع تحته ديننا الوسطي الحنيف.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة