راديو الاهرام

د. شيرين الملواني تكتب: نحيا ببركتهم...

6-12-2021 | 14:34

في اليوم العالمي لدعم مُتحدي الإعاقة وأصحاب الاحتياجات الخاصة؛ لابد أن نُقِر بالطفرة التي حدثت في  مصر السنوات الأخيرة؛ والتي بدأت بإعادة تعريف أصحاب الإعاقة بتسمية أكثر إنسانية واستبدالها بمصطلح "ذوي الهمم" و"أصحاب القُدرات الخاصة"؛ ثم إطلاق مُبادرة (دمج، تمكين، مشاركة)؛ من أجل إعادة تقديمهم وتأهيلهم في المجتمع كأشخاص طبيعية لهم حقوق مادية ومعنوية وعليهم واجبات تتماشى مع حجم عطائهم الجسدي والذهني؛ تلك الخطوات القافزة لا تندرج فقط تحت مظلة الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان بقدر ما تندرج تحت مُسمى تجديد الخطاب الديني بإحياء المفاهيم الصحيحة لتعاليم الأديان السماوية والتي غابت في عهودٍ سابقة وتسببت في ضياع الأخلاق وتلاشي ضمير الرحمة في المعاملات وأججت التنمر والتهميش والتَفنُن في الإيذاء لكل صاحب عجز أو إعاقة.

كَفِل الإسلام حقوق الضُعفاء وأصحاب الإعاقة والابتلاء ماديًا ومعنويًا؛ مما كان له أبلغ الأثر في خروج أئمة منهم أصحاب بصمات تاريخية وصلوا لمراتب ومنازل فاقوا بها الأسوياء، والتنمر عليهم لم يجد طريقه لمجتمعنا الحالي فجأة؛ بل كان موروثًا ضاربة جذوره منذ عهد أسلافنا في صدر الإسلام؛ نستشهد بسخرية بعض الصحابة من ضآلة جسم (عبدالله بن مسعود) وهيئة ساقيه وحينذاك انصفه رسولنا الكريم  قائلاً (لهي في الميزان أثقل من جبل أُحد)، وفي واقعة نزول سورة (عبس) خير مثال على الأمر الإلهي بالرفق بالمكفوفين؛ عندما انشغل النبي الكريم عن (عبد الله بن أم مكتوم) الكفيف بسبب لقائه مع صناديد قريش، وتوالت أحاديث النبي الكريم لترسيخ قيمة ثواب وجزاء أصحاب الابتلاء في الآخرة في قوله (يوَدُّ أهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ حينَ يُعطَى أهلُ البلاءِ الثَّوابَ لو أنَّ جُلودَهم كانت قُرِضَت في الدُّنيا بمقاريضَ)، وسار السلف الصالح على منهج الدعم المادي من تكافل مجتمعي، والمعنوي من تراحم مع أصحاب العجز والإعاقة حتى لقد شهدنا تاريخيًا الخليفة (عمربن عبدالعزيز) كأول من بنى مؤسسة لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة من بيت مال المسلمين، وعين لكل واحد منهم من يخدمه وسار على هذا النهج الخلفاء من بعده خاصة الوليد بن عبدالملك وتباروا في عدد الأوقاف في الحضارة الإسلامية والتي ذهب ريعها على المُعاقين لتلبية احتياجاتهم.

وبالنظر لمصر الجديدة في الفترة الأخيرة شهدنا خطوات ومواقف من صُناع القرار أعادت تشكيل المجتمع ومفاهيمه؛ بدءًا من سرعة سن قوانين عقابية لفعل التنمر على ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى تمكينهم عن طريق أحد ممثليهم كمندوب عنهم في المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة في اللجنة المُعينة لوضع دستور ٢٠١٤، كما شهدنا طفرة تأهيل أماكن المواصلات العامة وأماكن الدراسة واستقبال المستشفيات وقاعات مجلس النواب ومرافقه للتعامل مع النواب من أصحاب الهمم، وسعدنا بتطبيق طريقة (برايل) للتيسير على ذوي الإعاقة البصرية في إبداء آرائهم في التعديلات الدستورية، مع إفساح الطريق لمشاركتهم الرياضية في كل دورات الألعاب الأوليمبية وتكريمهم على إنجازاتهم بفخر.

ويأتي الأثر الملموس بمردوده الكبير ألا وهو مبادرة تدريب السيدات المُعاقات على مختلف الحرف اليدوية والتسويق للإنتاج كنوع من الدعم المادي الذي ينأى بهن عن التواكل والتكاسل وإحساس العدالة المجتمعية، ونطمع في المزيد من الدعم والتسهيلات الخاصة بالمشروعات الصغيرة؛ مما يسهم في دمجهم كحجر زاوية داعم في الاقتصاد المصري.

لم يخلق الله أحدًا عبثًا فلكل إنسان في هذه الحياة فائدة ورسالة تتناسب مع إمكاناته، وتتوافق مع قدراته؛ ولا يوجد شخص خُلق عالة على بني جنسه؛ والإعاقة ابتلاء لصاحبها سيُجزى على الصبر عليها وحسن استثمارها بدون استسلام، وهي مسئولية مُجتمعية بتكاتف أفراده  من أجل مد يد العون والرحمة لهم وبإماطة أذى التنمر عنهم؛ فهم المبتلون الموعودون بالجنة، ونحن الداعمون المحتضنون الذين نحيا ببركة تواجدهم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. شيرين الملواني تكتب: "نداء لصيادلة مصر"

بحت أصواتنا كصيادلة أصحاب ضمير؛ ننادي زملاء المهنة بعدم تشغيل دخلائها، وعدم الاعتماد عليهم في صرف الدواء والتحكم في جرعاته، وتنحيتهم تمامًا من مشهد مواجهة

د. شيرين الملواني تكتب: بيع أم تمكين أم شراكة!

وصل لمسامعنا نوفمبر الماضي أطروحة شراكة القطاع الخاص مع القطاع العام؛ من خلال مجموعة من الآليات المُقترحة؛ لتمكين القطاع الخاص بالتوازي مع إعادة هيكلة

د. شيرين الملواني تكتب: "أقسى من جائحة كورونا"

بالأدلة والأرقام وصلت أزمة التضخم ذروتها عالميًا (الأسوأ منذ عام ٢٠٠٨) مسببة أضرارًا كبيرة على الأسر في جميع أنحاء العالم كنتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد،

د. شيرين الملواني تكتب: "مدارس التكنولوجيا"

لن يتغير الموروث الفكري والمجتمعي البائد المُنصب على تبجيل المؤهلات العليا، والتهافت على كليات القمة وغيرها، حتى وإن لَفظت عاطلًا عالة على الوطن مُكبدًا الدولة خسائر اقتصادية

د. شيرين الملواني تكتب: "عن رُهاب الشعوب"

إذا ما صادف مواطن فرنسي آخر ألمانيًا في شوارع باريس، ستجد عدم ترحاب وتحفز بين الطرفين عند التعامل فيما بينهما، أما إذا تحاورت مع فرنسي سياسيًا وذُكر لفظ ألمانيا أمامه؛ فلن تشهد سوى الامتعاض على وجهه

الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة