آراء

شريف سعيد يكتب: صعيدي في باريز (2 - 2)

5-12-2021 | 18:46

"والمسافة بين باريس وإسكندرية سبعمائة وتسعة وستون فرسخًا فرنساويًا".. هكذا كان إحصاء الشاب الصعيدي "رفاعة الطهطاوي" للرحلة التي قطعها وصولًا لمقر بعثته في أُورُبَّة. كان رفاعة قد جاء للدنيا في 15 أكتوبر/ تشرين أول 1801، أي في نفس الأسبوع الذي غادرت فيه الحملة الفرنسية مصر، ورُبما حين ارتحل هو إلى فرنسا عقب 25 عامًا، كان بطبيعة نشأته الأزهرية، والذكريات القريبة لتمرد القاهرة على بونابرت، مع عدم نضج الفكرة القومية بالنفوس حينئذ، محملًا بهواجس خصومة الآخر، عدم قبوله، عدم الارتياح له أو التوجس منه، باعتبار أن "الأنا" -من وجهة نظر رفاعة- هو "نحن المسلمون" العائشون بظل خلافة إسلامبول، وأن "الآخر" هم "الإفرنج الكفار".

لكن المُدهش هو ما تكشف لبصيرة رفاعة بتلك اللحظة المبكرة، يقول: "ظهر لي بعد التأمل في آداب الفرنساوية وأحوالهم السياسية أنهم أقرب شبهًا بالعرب منهم للترك"، مقتطف رُبما شكل حجر زاوية برؤية مستنيرين سيحلون بعده بأعوام طوال. فرنسا أقرب إلى مصر من تركيا.

عقب وصول رفاعة ورفاقه لباريس، أقاموا في بيت واحد، حُدد لهم بالبدء جدول دروس يومية، كان عليهم تعلم القراءة والكتابة والتحاور والحساب والهندسة والتاريخ والجغرافيا بالفرنسية، إلى جوار دروس الرسم وتحسين الخط، بعدها انطلق كل واحد منهم للتبحر بعِلمه، هؤلاء قامت على أكتافهم نهضة مصر من بعد ظلام احتلال عثماني حالك امتد لثلاثة قرون، وكان عليه أن ينجلي.

ولحداثتهم وكونهم أول مرة بباريس فقد وُضع لهم نظامٌ صارمٌ يضمن عدم حيدتهم، لم يُسمح لهم بالتنزه إلا أيام الأحد والخميس والأعياد الفرنساوية، مع إذن مكتوب من الضابط الذي عينه عليهم محمد علي باشا، وذلك على أن يكون خروجهم في جماعات لا فرادى، وإذا ثبت على أيهم قيامه بفعل غير لائق، يُرسل لمصر بالحال. ولجسامة المنوط بهم، أرسل إليهم مُحمد علي باشا خطابًا يطلب من كل واحد فيهم، أن يكتب إليه رسالة شهرية يذكر له فيها ما حصله دراسيًا هذا الشهر، ومقدار التقدم الذي طرأ على علمه مقارنة بالشهر المنصرم، مُحمد علي بعينين ثاقبتين أبصر أن هؤلاء هم كنزه القادم، أدرك وأدركوا أن العلم هو الحل.

وإلى جوار تدبر رفاعة الآداب والأحوال الفرنساوية، تأمل أيضًا المرأة الباريسية، وكتب: "نساء الفرنساوية بارعات الجمال واللطافة، ومن خصال النساء أن يشبكن بالحزام قضيبًا من صفيح من البطن إلى آخر الصدر حتى يكون قوامهن دائمًا معتدلًا لا اعوجاج به، وفي الحقيقة سيقانهن غير عظيمة". بدا لو أن ساقًا بديعة لإحداهن بالمحروسة ظلتْ راسخة بخيال الشاب رفاعة، لدرجة أنها جعلته يحكم حكمًا قاطعًا على سيقان الباريسيات بأنها غير عظيمة! غير أن أكثر سؤال كان يُطرح عليه من المصريين عقب عودته، هو عن نساء الإفرنج وعفتهن! ويرى أن مغزى السؤال يعود لكون المرأة هناك غير مغطاة مثل الشرقيات، ثم يذهب لخلاصة تجربته، وهي أن عفة المرأة لا تعود لكشفها أو تغطيتها وإنما لتربيتها. مبكرًا وقبل حوالي 150 عامًا من ظلام سبعينيات القرن العشرين، اكتشف رفاعة أن حجب المرأة ليس برهان عفة ولا دليل طهر.

خمس سنوات في باريس نزل بعدها رفاعة طنطاوي من السفينة التي أبحرت به من مَرسيليا للإسكندرية، أعوام لم يعد بعدها كما كان قبلها، أدرك أن فرنسا أقرب لنا من تركيا، وأن العلم هو الحل، وأن حجب الأنثى ليس دليلًا على خُلقها، استخلص لنا من رحلته الذهب الخالص المعروف في الفصحى باسم "الإبريز"، وتركه لنا بكتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز".
 
للتواصل مع الكاتب عبر تويتر: twitter.com/sheriefsaid

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
شريف سعيد يكتب: نصيحة الرئيس إلى سالي

كأن مصر تُقدم للعالم في زمن الجائحة مفتاحًا للحياة، هكذا رأيتُ النسخة الرابعة من منتدى شباب العالم بشرم الشيخ، منذ عامين - تأجل فيهما المنتدى - والكوكب يواجه قاتلًا لا نراه، ولا يُفرق بين ضحاياه،

شريف سعيد يكتب: حدث في القرن الثامن عشر (2)

أعلم أن الإنسان لا يستطيع في باريس شيئًا إلا بمعونة النساء ، هكذا أسدى أحد القساوسة نصيحته للفيلسوف جان جاك روسو الذي كان بذلك الوقت شابًا بفرنسا الملكية

شريف سعيد يكتب: حدث في القرن الثامن عشر (1)

عقب اغترابه سنوات بسراي السلطان في استانبول مشغلًا للساعات، عاد إسحاق أخيرًا لسويسرا وبيته وزوجته سوزان . بدا أنَّ اللقاء بينهما كان صادقًا حارًا، حد

شريف سعيد يكتب: صعيدي في باريز (1- 2)

عقب مرور ربع قرن على مغادرة الحملة الفرنسية مصر، كان الشاب القادم من الجنوب، هو مَن يركب البحر هذه المرة باتجاه مارسيليا، بالثاني عشر من إبريل/ نيسان سنة

شريف سعيد يكتب: مذكرات السجينة 1536

مُنذ الطفولة وأنا أريد أن أعيش ثم أموت وأخلف ورائي شيئًا ثمينًا، ما هو؟ هكذا تساءلت السَجينة رقم 1536 في مُقدمة كتابها مذكراتي في سجن النساء . بدا أن

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة