آراء

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: العلم في علبة الكشري

4-12-2021 | 15:51

كانت تجربة لطيفة وخفيفة، عشتها فى مؤتمر صناعة الإبداع الثاني عشر المقام في القاهرة.. حين قدم رودريجو جارسيا جونزاليس ومعه شريكه، بيير باسلير فكرة رائدة حققت طفرة في صناعة تغليف المنتجات من خلال توفير أغلفة عبوات ومنتجات تكون هذه الأغلفة قابلة للأكل والتحلل.

 
الفكرة كانت استخدام أعشاب البحر أو خشب البحر seawood كبديل للبلاستيك في تغليف المنتجات.. بعد معالجته بطريقة علمية.. تجعله يتحول إلى اللون الشفاف تمامًا مثل البلاستيك.
 
يمكن بعد ذلك تصنيعه بطبقات رقيقة نغلف بها الأغذية والأطعمة وخاصة المشروبات والمياه.. لأن أغلب النفايات البلاستيكية تأتي من زجاجات المياه.
 
ولأن "سي وود" هو عشب بحري فهو إذن قابل للتحلل في الطبيعة دون أن يُخلف أى ضرر على البيئة مثلما يفعل البلاستيك.. كذلك لأنه عشب فهو قابل للتناول مع المنتج ذاته.
 
هذه الفكرة البسيطة العبقرية قد ضمنت ملايين لصاحبيها، بالإضافة إلى أنهما أسهما في حل المشكلات البيئية الناتجة عن المخلفات البلاستيكية، وهو ما جعلهما يحصلان على جائزة التكنولوجيا العالمية من مجلتي فورتشن وتايم.
 
خلال عرضهما قدما شرحًا لما أسهما فيه في مدينة لندن مقر عملهم.. فضمن ما فعلوه، وفرا خلال ماراثون لندن مياه الشرب للعدائين دون أى ضرر على البيئة.. كان المتطوعون يقفون بأكياس المياه المغلفة بأعشاب البحر ويناولونها للعدائين العطاشى وبعد تناول المياه من داخل الأكياس لا ضرر من رميها على الأرض لأنها ستتحلل فى وقت قريب.
 
ومثلما نستخدم التغليف القابل للتحلل مع المياه يمكننا استخدامه في العصائر.. وفي تغليف أكياس الشاي والقهوة، وليس علينا إلا وضع الكيس بما يحويه داخله كاملا فى الكوب الساخن ومع التقليب سيختفي الكيس ونحصل على ما نرغب ونريد بكل بساطة ويسر.. دون إزالة فتلة الشاي من الكوب.. وما فعلناه فى المياه والقهوة والشاي يمكن تكراره في العصائر وأكياس الكاتشاب.. وربما يأتي يوم نستخدمه فى أكياس الدقة فى مطاعم الكشري فى المحروسة.
 
توقف العرض للحظات وشرع رودريجو وبيير في توزيع أكياس مشابهة على الحضور الذي لم يكن والذي كنت أحدهم.. قدما كيسا مملوءًا بالمياه له طعم البرتقال.. تناولت الكيس بحرص شديد وخوف.. لولا أن رودريجو على المنصة تناوله لم أكن لأفعل.. كان طعم الأكياس التي ليست بلاستيكية غير مستساغ بعض الشيء لكنها ليست رديئة.. هي تشبه غلاف حبة العنب الكبيرة التي تأكلها بمفردها بعيدًا عن الحبة نفسها.
 
حرصي على التجريب محبة للعلم.. ومحبة للعلماء الذين يغيرون وجهة الأرض للأفضل ووجه الحياة للأحسن.. عرض علي النادل - الممثل بأكياس العصائر والمياه - كيسًا آخر لكنني رفضت، واكتفيت بتجربة أكل وشرب كيس واحد فقط.
 
الثناني استكمل العرض وقالا إنهما حصلا على تمويل من أحد المواقع المخصصة لجمع التمويلات والتبرعات، وصل إلى نحو 850 ألف جنيه إسترليني.. وبعد فترة وصل رأس مال شركتهم إلى نحو 3 ملايين جنيه إسترليني.
 
الرقم يدعونا للتفكر كيف أن المجتمع المفكر والعلمي والواعي يدعم العلم والعلماء والباحثين والمخترعين، وكيف يقدم لهم الدعم المباشر والكافي للقيام بأبحاث تسهم فى نظافة المجتمع والعالم.
 
توقفت أمام رقم التبرعات مرة أخرى، لأنه نتج من 900 فرد فقط، أي بمتوسط أقل من 1000 جنيه إسترليني.. والمعنى أن هناك من يعتبر الألف جنيه إسترليني زكاة للعلم وللعلماء وللعالم كله.
 
التقيت بهما بعد نهاية المؤتمر، تحدثنا قليلا عن بداية مشروعهما وكيف بدآه؟!.. شكرتهما، ورحبت بهما فى القاهرة.
 
وأشرت إلى عبقرية شعار الشركة التي اتخذوه حين اسموه notpla والمعنى أن منتجهم ليس "بلاستيك".. وكيف رسموا الشعار مقضوما عند حروف التي والبي والإل، كأنه يتحلل أو يتلاشى مثل منتجهم.. عبقرية أخرى فى التصميم تضاف إلى عبقريتهم في الاختراع. 
 
وانصرفت أفكر في حال الآلاف من أكياس الكاتشب وعلب الكشري وعلب الأغذية التي تجتاح شوارعنا وقرانا وتدمر بيئتنا ومجتمعنا.. ومتى يمكن أن نرى مشاريع وأفكارًا مشابهة.
 
العلم قوة.. والقوة دائمًا تأتي لمن يمتلك العلم.

 تويتر:@AhmedTantawi

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
أحمد سعيد طنطاوي يكتب: رسالة للدكتور خالد عبدالغفار

أمر رائع أن يخرج علينا الدكتور خالد عبدالغفار وزير التعليم العالي والقائم بمهام وزير الصحة، ليوجه بالاستجابة لصرخات المعاقين بشأن عدة نقاط طلبوها أكثر من مرة

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: تعذيب المعاقين .. من المسئول؟!

غريب ما تقوم الإدارة المسئولة عن موقع المجالس الطبية المتخصصة، وخاصة فيما يخص تسجيل المعاقين لتحديد موعد للكشف الطبي للحصول على سيارة مجهزة طبيًا

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: مطار القاهرة ينتظر

أسعدني بشدة خبر توصيل إنترنت مجاني إلى محطة السكك الحديدية في رمسيس.. وستتيح وزارة النقل - بالتعاون مع إحدى الشركات - تشغيل إنترنت مجاني للمسافرين لمدة محددة يتم دراستها حاليًا من قبل المختصين.

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: الدحيح ومعرض الشارقة للكتاب

ضمن أجمل وأذكى ما فعل معرض الشارقة الدولي للكتاب أن دعا واستضاف الشاب أحمد الغندور الشهير بالدحيح.. ما أقوله ليس لحبي لما يقدمه الغندور عبر برنامجه الدحيح

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: ميتافيرس.. زوكربيرج أروع من عمر الشريف

يوم الخميس الماضي 28 أكتوبر وقف ذلك الشاب الذي يخاف منه العالم ليعلن عن تدشين الاسم الجديد لمنصة التواصل الاجتماعي الأشهر عالميا، خلال مؤتمر كونيكت السنوي..

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: أسبوع تنميل الدماغ

تنميل الدماغ هو عنوان كتاب للراحل محمد مستجاب رحمه الله- وجمع فيه بعضا من مقالاته الساخرة المكتوبة بحرفية وعناية.. كان لابد أن استعيره هنا لأصف ما شعرت

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: فيسبوك.. أحبك .. أكرهك!

آثرت أن أنتظر وأبتعد قليلًا عن اليوم الذي تعطلت فيه تطبيقات فيسبوك وواتساب وماسنجر وإنستجرام في العالم أجمع، لأتوقف وأشاهد وأسجل وأرى هل فعلا تغيرنا؟

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: جريمة الحسابات المزيفة

يعني علشان والدي ممثل مش مشهور مش هلاقى حد يعملى لايك وريتويت ويدعو له بالشفا .. تلك كانت كلمات أحد الحسابات المزيفة على تويتر.. لأحد الفنانين الكومبارس

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: إكسبو 2020 دبي

الشاعر الفلسطينى محمود درويش كان يشير إلى أنه على قدر حُلمك تتسع الأرض/الكون .. أعتقد أن هذه الجملة قد تشرح ما فعلته الإمارات باستضافتها معرض إكسبو 2020 دبي.

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: تقييمات إنترنت غير عادلة

وقف أحد أصحاب المطاعم الشهيرة في السعودية يشكو بحسرة من ضيق الحال الذي أصابه بسبب ضعف التقييمات الإلكترونية التي وضعت لمطعمه على المواقع الإلكترونية وخاصة عبر تقنية التقييم في جوجل.

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: لا تمنعوا التصوير

حسنا فعل محافظ القاهرة بإعادة النظر في اللائحة الصادرة بشأن رسوم التصوير بشوارع القاهرة وفيها تحصيل 15 ألف جنيه في الساعة، أو 100 ألف جنيه للتصوير

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: التخطيط من الموتور إلى الألعاب الأولمبية

بعد كل دورة أولمبية تثور الأقلام وتخرج ألسنة النقاد والمفكرين والمحللين لتكرر ما قاله الأجداد والأقدمون عن ضرورة محاسبة المتقاعسين عن الأداء والفاسدين

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة