Close ad

القانون يحمي المغفلين .. (أحيانا!!)

4-12-2021 | 10:36

يعتقد البعض أن مقولة القاضي الأمريكي (القانون لا يحمي المغفلين) قاعدة قانونية، أو فوق القوانين، والحقيقة غير ذلك تمامًا،  فلا تعدو أن تكون تلك المقولة تطبيقًا صريحًا للمثل الشعبي (وراء كل طمّاع نصّاب)، والقصة أن ملايين من المواطنين الأمريكيين (الطماعين) أرسل كل منهم دولارًا واحدًا على عنوان بريدي لأحد (النصابين) الذي طلب منهم ذلك بإعلان نشره بإحدى الصحف، موهمًا إياهم أنهم سوف يصبحون أثرياء، وحينما افتضح أمره وكثرت البلاغات ضده، شرح هذا النصاب للطماعين حيلته، كما أوضح للمحكمة التي تداعى أمامها أنه لم يرتكب جرمًا، ومن ثم برأته المحكمة وقال القاضي تلك المقولة الشهيرة (القانون لا يحمي المغفلين). 

والحقيقة أن هدف القانون وغايته الكبرى هي حماية المغفلين وليس العكس، وذلك إذا كان المقصود بكلمة (المغفلين) هم ضحايا التلاعب بثغرات القانون ونتوءاته، ممن يقعون فريسة من فسدت ضمائرهم، وخربت ذممهم، ومن الأمثلة الصارخة لهؤلاء (المغفلين) الذين يحميهم القانون، ما تتعرض له الزوجة عندما يتزوج زوجها بأخرى - وهي مازالت بعصمته - ؛ فإن القانون – والحال كذلك - يحميها ويُلزم المأذون بإخطار الزوجة الأولى بواقعة الزواج الثاني، كما يعطيها القانون الحق في طلب التطليق، معتبرًا أن هذا الزواج الثاني قد ألحق ضررًا بها، ومنحها كذلك كافة حقوقها المالية، ناهيك عن حقها في حضانة الصغار وما شابهه، إذن مثل هذا المثال، يبين - بجلاء – أن الوعي بالقانون هو العاصم من الغفلة التي يمكن أن يتعرض لها الفرد ويوصم بأنه من المغفلين وأن القانون لا يحميه، فما لم تعلم الزوجة هذا الحق لها، مع الأخذ في الاعتبار المستوى التجهيل وعدم الوعي العام في بعض المناطق النائية، فإنها قد ترضخ لهذا الزواج الثاني، وتنضم من ثم لقائمة المغفلين، وتعبر كلمة الوعي عن حالة عقلية يكون فيها العقل بحالة إدراك وعلى تواصل مباشر مع محيطه الخارجي عن طريق منافذ الوعي التي تتمثل عادة بحواس الإنسان الخمس... والوعي هو ما يكون لدى الإنسان من أفكار ووجهات نظر ومفاهيم عن الحياة والطبيعة من حوله، ويعني وعي الذات وعي الإنسان لذاته ولمكانته في نشاط الناس الاجتماعي المشترك، وبفضل هذا الوعي يكتسب الإنسان القدرة على مراقبة الذات، وإمكانية التوجيه الهادف لتصرفاته وضبطها وتربية الذات، وعليه يكون على الذات مسئولية أخلاقية، وتتحقق قناعات الذات من قدرة المرء على الضبط الذاتي لأفعاله.. أي في النهاية يرتبط الوعي بالعلم والمعرفة والفهم والتطبيق ومراقبة الذات وضبط سلوكها وتوجيهه توجيهًا هادفًا، وبناءً عليه تنطلق فكرة الوعي بالقانون من هذه المنطلقات المرتبطة بهذه المفاهيم. 

أما إذا كان المقصود بالمغفلين هم من يغفلون عن حكم القانون، فتسرى في حقهم قاعدة (عدم الاعتذار بالجهل بالقانون)، وإن كانت تلك القاعدة كذلك محل نظر في الواقع الحياتي المعيش، لأن المغفل مشتق من كلمة غافل والغافل هو الذي لا يفطن لما يحاك ضده والقانون يحمي الغافل إذا ثبت بأن كان هناك قصد لتغفيله، ولكن هناك غفلات يقع فيها البعض بجهل القانون ومثل هذه الغفلات هو الذي لا يحميه القانون، ذلك أن القانون هو تقنين لأعراف مجتمعية سائدة، تكونت عبر عقيدة رسخت في وجدان البشر بحتمية وجوده يكفل حرياتهم وينظم حقوق وواجبات بعضهم البعض، فنشأت تلك الأعراف بإرادة ورغبة كاملة، ومن ثم أضحى العلم بها واجبًا مفترضًا (أحيانًا)!!

ومن النماذج الصارخة لفئة أخرى عكسية من هؤلاء المغفلين (بمفهوم المخالفة)، أو المستغفلين.. هم من يشترون الألقاب الوهمية، (دكتور - سفير – مستشار – وزير مفوض..إلخ)، ممن ليس لهم الحق في استخدامها، سواء كانوا أفرادًا أو كيانات، ومن عجب أن تلك الكيانات تخّول لنفسها كثيرًا من الصلاحيات وتضعها في مكاتباتها ومواقعها الإلكترونية وفي إعلاناتها التجارية بالمخالفة للقوانين والأنظمة المعمول بها، وذلك لتحقيق مكاسب تجارية ومصالح شخصية.

ومن ثم، ينبغي أن ندق ناقوس المواجهة القانونية لهذ الخلل الكبير الذي حدث في المجتمع والذي أفرز ثُلة من الطامحين والطامعين (المغفلين).. في مناصب يقتضي الحصول عليها سنوات طويلة من الكفاح والتأهيل العلمي والعملي من خلال جامعات معترف بها، أو وزارات سيادية، أوهيئات قضائية منصوص عليها في الدساتير والقوانين. 

لذلك، يجب تنفيذ القوانين والاتفاقيات الدولية التي تجرم تلك الأفعال الإجرامية، وكذلك للعقوبات المرصودة لتلك الجرائم، حتى يمكن متابعة مرتكبي تلك الجرائم ومحاسبتهم قانونًا، وتفعيل اتفاقيات التعاون الدولي العربي وأهمها اتفاقية الرياض للتعاون القضائي العربي في مجال تنفيذ الأحكام وملاحقة المحكوم عليهم في تلك الجرائم، وتوحيد عقوبات لكل من الفاعل الأصلي والوسطاء والمستفيدين كذلك من تلك الشهادات والكارنيهات والألقاب الوهمية، وملاحقتهم قضائيًا أينما تم القبض عليهم، سيما أن تلك الجرائم غالبًا ما تكون عابرة للحدود الوطنية، ومن ثم تشكل جهود مكافحة الفساد من أولى أولويات الأجهزة الأمنية والنيابية والتشريعية والقضائية والدولية كذلك، وأخيرًا خوف الضحايا من مواجهة انتشار تلك الظواهر المستحدثة في المجتمعات العربية، وهي ظاهرة الألقاب وإظهار مستندات وكأنها حقيقية، وهي في حقيقتها لا أساس لها من الصحة. 

وأكرر دومًا، أن الحل الناجع لتلك الخروقات هو (الوعي بالقانون) لأنه الهدف الأسمى لجميع الشعوب عبر الأزمان، للحفاظ على الأوطان مما يتهددها من أخطار الجهل بالقانون، وانتشار الجريمة، بشتى صورها وتعدد أفعالها، وطرح سبل ترسيخ قيم ثقافة تواصل وتكامل الجهود المجتمعية المتنوعة، لتلك المواجهة الفاعلة في الضمير الجمعي العالمي فهمًا ومعرفةً وعلمًا وعملًا وسلوكًا وتطبيقًا وقدوة وتحفيزًا للآخرين.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
أول أكتوبر …

أول أكتوبر د. خالد القاضي يكتب: في أول أكتوبر تتزامن بدايات سنة قضائية - برلمانية - دراسية ، بعد انتهاء إجازات الصيف، لتتواصل مسيرة الوطن بعطاءاته

د. خالد القاضي يكتب: حكمة تناوب الفصول في رمضان

من أعظم مظاهر الحكمة الإلهية لشهر رمضان المعظم، ارتباط توقيته كشهر هجري مع حركة دوران الأرض حول الشمس، ومن ثم تناوب الفصول الأربعة (الشتاء الربيع الصيف الخريف)

د. خالد القاضي يكتب: المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية

كان حُلمًا، فخاطرًا، فاحتمالًا.. ثم أضحى حقيقة لا خيالًا.. ذلك المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية حول النمو السكاني في مصر، الذي دشنه فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي أول أمس الإثنين 28 من فبراير 2022

د. خالد القاضي يكتب: المستشار بولس فهمي قدوة في العمل القضائي وحب الوطن

سنوات طويلة قضاها المستشار بولس فهمي الرئيس الجديد للمحكمة الدستورية العليا، في محراب النيابة العامة والقضاء، وهو ما أتاح لأجيال متتالية من أعضاء النيابة

د. خالد القاضي يكتب: وسام الاستحقاق للمستشار سعيد مرعي

في تقليد رئاسي رفيع، لرؤساء الجهات والهيئات القضائية عند تقاعدهم، يمنحون وسام الجمهورية، وفقًا لقانون الأوسمة والأنواط المدنية الصادر بالقانون رقم 12 لسنة

د. خالد القاضي يكتب: شاهد على معرض القاهرة الدولي للكتاب

من الأحداث الجوهرية في حياتي ارتباط مولدي عام 1967، ببداية التفكير في تظاهرة ثقافية عالمية للكتاب تقام على أرض الكنانة مصرنا الغالية، وفي قلب قاهرة المعز

د.خالد القاضي يكتب: ذكرياتي في عيد الميلاد المجيد

نحتفل نحن المصريين جميعًا هذه الأيام مع مليارات البشر حول العالم - بعيد الميلاد المجيد، وهو العيد رقم 2022، وتتداعى إلى ذاكرتي مواقف ومشاهد عديدة كنتُ

د. خالد القاضي يكتب: الطوارئ (حالة استثنائية)

الطوارئ هي حالة استثنائية، لمواجهة أخطار تُعرّض مصر أو مناطق منها إلى الخطر، وهو تدبير موقوت بمدة زمنية محددة، ويستمد شرعيته من الدستور والقانون، يُمنح

الأكثر قراءة