آراء

عبدالسلام فاروق يكتب: مواكب مصر الساطعة

4-12-2021 | 08:57

شاهدتُ احتفالية طريق الكباش فيمن شاهدها، وانبهرت كما انبهروا، لكنني تساءلت بيني وبين نفسي كغير المصدق: أنحن في مصر حقًا؟ لو كان هذا حقيقيًا فلابد أننا في مصر المستقبل لا مصر الحاضر!

كل التحية والشكر للهيئة الهندسية ورئاسة الوزراء ووزير الآثار، ومن قبلهم وعلى رأسهم قيادة سياسية حكيمة ممثلة في الرئيس عبدالفتاح السيسي على هذا المشهد الذي رفع رأس كل مصري، حقًا مازلت مبهورًا مأخوذًا بما وصلنا إليه من تطور في مجال الآثار يشهد عليه القاصي والداني، وأتوقف هنا قليلًا لأعود مسترجعًا بعض ما أنجزه خالد العناني في سنوات قلائل، لأن ما فعله هائل ومبهر، ولأنه يفسر كيف وصلنا إلى تلك القمة من قمم الإبهار العالمي..

مسيرة متألقة
الوزير الدكتور خالد العناني يستحق الإشادة كواحد من أنشط وزراء حكومة مدبولي حكومة الإنجازات وقهر الأزمات، هو في مطلع عِقده الخمسيني حاصل على زمالة الدكتوراه من فرنسا عمل رئيسًا لقسم الإرشاد السياحي بجامعة حلوان عام 2012 وتولى الإشراف على متحف الحضارة 2014 والمتحف المصري بالتحرير 2015 قبل توليه الوزارة وبدء مسيرة من الإنجازات لم تتوقف إلى اليوم، وقد تم تشريفه بحمل حقيبتي وزارة السياحة والآثار بعد دمجهما في 2019 بهدف تحقيق التكامل بين عملي الوزارتين.

وفي عهده شهدت مصر أكبر حجم من الاكتشافات الأثرية خلال الأعوام السابقة وكان أكبرها اكتشاف أكثر من 100 تابوت خشبي بسقارة والذي تم الإعلان عنه في فبراير 2020 في مؤتمر صحفي ضخم حضره أكثر من 400 من وسائل الإعلام المحلية والعالمية، و خلال الثلاث سنوات الماضية حصدت الاكتشافات الأثرية المصرية بسقارة على أفضل 10 اكتشافات في العالم، بخلاف الافتتاحات الأثرية الكثيرة في مختلف محافظات مصر منها متاحف شرم الشيخ وكفر الشيخ وسوهاج والمنيا والشرقية وقصر البارون وقصر يوسف كمال.

ولعل من أهم ما استحدثته وزارة السياحة والآثار من أنشطة وفرة معارض الآثار الخارجية المؤقتة التي نجحت في جذب السائحين والترويج لمصر وآثارها في الخارج، فعلى سبيل المثال معرض الملك توت عنخ آمون حقق نجاحًا مبهرًا في مختلف دول العالم وخاصةً فرنسا محطمًا رقمًا قياسيًا من حيث عدد زواره الذي وصل إلى أكثر من مليون و400 ألف زائر!

كل هذا بخلاف جهود الدولة في استرداد الآثار المهربة للخارج، حيث نجح العناني في استعادة عدد من القطع الأثرية من مختلف الدول أهمها: الولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا، وسويسرا، لندن، ألمانيا، الإمارات، كندا، الكويت؛ وقد جاء ذلك بالتعاون والتواصل مع مختلف الجهات والسفارات الأجنبية والسفارات المصرية في الخارج، بالإضافة إلى تتبع مواقع البيع الإلكتروني وصالات المزادات التي تقوم بعرض القطع الأثرية المصرية لاتخاذ الإجراءات الفورية لاسترداد ما يثبت خروجه من مصر بطرق غير شرعية.

حقًا هى طفرة هائلة حققتها وزارة الآثار ووزيرها الذكي من خلال مسيرة من إنجازات توِّجت مرتين إحداهما منذ أشهر قليلة عندما شاهدنا الموكب المهيب لنقل المومياوات الملكية من المتحف المصري بالتحرير إلى مكان عرضهم الدائم بالمتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط، وهي المشاهد التى استغرقت بضع ساعات بينما استغرقت استعداداتها قرابة إحدى عشر شهرًا ليصبح الموكب لائقًا بهيبة وعظمة الأجداد والحضارة المصرية العريقة، وقد شاركت العديد من مؤسسات الدولة في هذا الموكب وأيضًا في تطوير ميدان التحرير وتنظيف وتجميل خط سير الموكب ليخرج بتلك الصورة الرائعة التى رأيناه عليها.

وبالأمس القريب شهدنا احتفالية طريق الكباش بمثابة التتويج الثاني لمسيرة إنجازات العناني..

طريق الكباش.. طريق الأمل
تعلقت قلوب المصريين بهذا المشهد وتلك الاحتفالية بما تقصده من أبواب رزق نرجو لها أن تنفتح على مصراعيها بانتعاش قطاع السياحة خاصةً مع بدء الموسم الشتوي وميل المصريين والأجانب على حد سواء للإقبال على زيارة مدن الصعيد للاستمتاع بشمس الأقصر الساطعة.

هاهو طريق الكباش يزخر بأضواء الأرض التي عانقت شجيرات الأضواء الملونة في السماء، طريق النور والأمل، طريق مواكب كبار ملوك الفراعنة، واحتفاليات الأعياد مختلفة كعيد"الأوبت" وعيد تتويج الملك كما كان له دور في حماية الطريق من الجهة الغربية من مدينة الأقصر العاصمة السياسية والدينية في الدولة الحديثة أيام حكم الأسرة 18. 

ويحكي التاريخ عن بدء إنشاء هذا الطريق على يد الملك أمنحتب الثالث الذي قام بتشييد معبد الأقصر ولكن النصيب الأكبر من التنفيذ يرجع إلى الملك نختنبو الأول، مؤسس الأسرة الثلاثين.

يبلغ طول الطريق 2750 مترا، وعرض 700 متر، ويصطف على جانبيه حوالي 1200 تمثال، نُحت كل منها من كتلة واحدة من الحجر الرملي، وأقيمت على هيئتين: الأولى تتخذ شكل جسم الأسد ورأس الإنسان باعتبار الأسد أحد رموز إله الشمس، أما الهيئة الثانية فكانت على شكل جسم ورأس كبش وهو رمز من رموز الإله خنوم إله الخصوبة في الديانة المصرية القديمة، والذي قدسوه باعتباره الإله الخالق للبشرية كلها.. هكذا تضاء سماء الأقصر فوق طريقها الأقدم احتفاءً واحتفالًا بإنجازات لا تزال مستمرة..

احتفال أسطوري
انطلقت فعاليات الاحتفالية فائقة الجمال لافتتاح أقدم ممر تاريخي بالعالم يعود لنحو 3400 عام، بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسي والسيدة قرينته وسط اهتمام عالمي بهذا الحدث الذي جسَّد مدى التطور الحضاري لمصر قديمًا وحديثًا، وقد تابع هذا الحفل الضخم الأسطوري عشرات الملايين في أرجاء المعمورة.

وجاءت تلك الخطوة كتتويج لعمل استمر عدة شهور بعد سنوات من التوقف، وهو يمثل ثاني حدث يعيد اهتمام المصريين بتاريخ أجدادهم الفراعنة، بعد موكب المومياوات في أبريل الماضي؛ وهو ما يعبر عن حرص الرئيس السيسي، على استعادة الاهتمام بالحضارة الفرعونية بالتوازي مع المشروعات القومية العملاقة الجاري تنفيذها في كل أنحاء مصر في مزج بين إنجازات الماضي والحاضر، لقد تم تطوير الطريق وتحويله إلى متحف مفتوح ومعرض لصور نادرة من القرن التاسع عشر تروي تاريخ معابد الكرنك والأقصر وطريق المواكب الذي يربط بين المعابد وأهم الاكتشافات الأثرية، وصور ومناظر للأعياد والاحتفالات التي كانت تقام في العصور القديمة.. لكأننا نشهد مصر التي نراها في أحلامنا قد بدأت اليوم مسيرة الغد.

[email protected]

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
عبدالسلام فاروق يكتب: الحدود الملتهبة .. صراعات الجغرافيا والتاريخ

قرأتُ كتاب (حدود مصر الملتهبة) للباحث والأديب محمد شلبي أمين فوجدتني أمام جمال حمدان جديد يعيد إحياء معارك القلم المفصلية حول قضايا الوطن ومشكلاته المصيرية

عبد السلام فاروق يكتب: عالم ما بعد كورونا!!

العالم بأسره يتجه اليوم نحو الفكر التفاعلى.. لا أحد بإمكانه أن ينزوى فى ركن قصي يقرأ ويؤلف ويبدع ويخترع، ثم يخرج على الناس بشيء جديد . العلم المعاصر هو علم تبادلى متجاوز للحدود

عبدالسلام فاروق يكتب: الشباب والإعلام

الناس تشكو من منابر الإعلام الإليكتروني مُرّ الشكوى.. يقولون: إنه موصوم بالعشوائية وانعدام المصداقية والابتذال.. لكنه على ما هو فيه من وهن وعيوب أفضل ألف مرة من وسائل الإعلام التقليدية

عبدالسلام فاروق يكتب: شاي بالحليب .. على شواطئ ظفار

استمتعت حقًا بقراءة كتاب: (ظفار، الإلهام الأبدي) لمؤلفه العماني (علي بن سالم كفيتان بيت سعيد)، واندهشت لأسلوبه الساحر الذي ساقني للانتهاء من قراءته والتهامه في ساعتين ليس إلا

عبدالسلام فاروق يكتب: 2022 عام الأمل والاستقرار

الحياة لا تنفك ترزأ الناس بمتاعبها ومشاكلها وأدوائها، غير أن الابتسامة التي ترتسم على وجوه السعداء تعينهم على احتمال تلك المتاعب والأرزاء مهما تكاثرت وازدادت

عبد السلام فاروق يكتب: نحن وكواكب أخرى

تحت الرمال وفي كل بقعة على أرض مصر آثار لم تزل فى انتظار مَن يكتشفها

عبدالسلام فاروق يكتب: الثقافة تنمية .. وتنمية الثقافة!!

الثقافة في المفهوم الإنساني المعاصر باتت ذات أدوار جديدة تضاف لدورها المعرفي كالدور السياسي والسياحي والاقتصادي والاجتماعى، والثقافة اليوم تقاس بحجم الإنتاج

عبدالسلام فاروق يكتب: مواكب مصر الساطعة

شاهدتُ احتفالية طريق الكباش فيمن شاهدها، وانبهرت كما انبهروا، لكنني تساءلت بيني وبين نفسي كغير المصدق: أنحن في مصر حقًا؟ لو كان هذا حقيقيًا فلابد أننا في مصر المستقبل لا مصر الحاضر

عبد السلام فاروق يكتب: العرب والغرب والثقافة

العرب هم الأقدم والأكثر عراقة ورسوخًا، تاريخيًا، من الغرب.. سبَقونا نعم، في التكنولوجيا والتقنيات والصناعات والفنون والآداب، لكن اللحاق بالركب ممكن، لا

عبدالسلام فاروق يكتب: تكنولوجيا الاقتصاد الأخضر!!

الابتكار الذي نحن بصدد الحديث عنه اليوم عبارة عن آلة ذات منظومة متعددة المهام تخدم عددًا كبيرًا من الأغراض التي تمس قطاعات كبيرة وحيوية كالري والزراعة

عبدالسلام فاروق يكتب: مستقبل الصحافة!

دعونا نتفق أولاً أن الصحافة الورقية تمر بأزمة كبرى وأن هذه الأزمة عالمية واسعة النطاق، لا ينبغي أن ندفن رؤوسنا في الرمال فندّعي أن الأزمة لا وجود لها، ولا أن نبالغ فنقول: إنها أزمة بلا حلّ

عبد السلام فاروق يكتب: "وزير أبي الهول".. يسرد قصته في ربع قرن

قرأت كتابًا مهمًا أعادني لفترة التسعينيات.. حين كنت أبدأ خطواتي الأولى في مؤسسة الأهرام، الكتاب يمثل سيرة ذاتية لأحد أهم رموز الثقافة المصرية على مدى 25 سنة كاملة

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة