ذاكرة التاريخ

الصفصافة..«شجرة النيل ودواء العليل».. لماذا قدم الفراعنة أوراق "أم الشعور" لسيدة الحب «حتحور»؟

3-12-2021 | 20:17
الصفصافة;شجرة النيل ودواء العليل; لماذا قدم الفراعنة أوراق  أم الشعور  لسيدة الحب ;حتحور;؟شجرة الصفصاف
محمود الدسوقي

 قبل أن ينشد الشعراء العرب لشجر الصفصاف في قصائدهم مثل الشاعر الكبير محمود درويش، ومن قبله رهين المحبسين أبو العلاء المعري الذي جعلها من أشجار الجنة في "رسالة الغفران"، وقبل أن يغنى المحبين تحت ظلالها في أغاني عربية مازالت تردد، قبل هذا التاريخ كانت الصفصافة بأوراقها الطبية ترياقا للشفاء من الصداع، وكانت أداة للمخاطبة والشعر في الحضارة المصرية القديمة، ووضعت لها التعاويذ بالشعر أيضا، وكذا الحال فى الحضارات السومرية وكافة الحضارات، حيث يرجع المؤرخون عشق أبناء الحضارات للصفصافة لأنها كانت مثل البشر تعشق الماء.

يأخذنا المؤرخ والباحث وليم نظير في كتابه "الثروة النباتية عند قدماء المصريين"، لجولة في تاريخ شجرة الصفصافة، مؤكدا أنها وجدت مع تكون الحضارة المصرية، حيث كانت كعاداتها تنبت على جانبي النيل والقنوات المائية، وقد اعتاد المصريون زراعة شجرة صفصاف أمام آلهة الحب حتحور وكانوا يخاطبونها، وتم إطلاق مسمى "ترت تاري" على الصفصافة التي كان يُصنع منها السلال، وقد عُثر على أول قطعة صفصاف متحجرة في حقل الآثار المصرية في وادي قنا من قبل عصر الأسرات، كما عُثر على مقبض سكين وصندوق من عهد الأسرة الثالثة، وباقات جنائزية مصنوعة من الصفصاف في تونا الجبل من العصرين اليوناني والروماني.

أما في المتحف الزراعي بالدقي فيوجد ورق الصفصاف الذي عُثر عليه في مومياء أحمس الأول، وأمنحتب الأول من ملوك الأسرة الـ 18 ، والأميرة "نزى خنسو" من الأسرة الـ 21 .

وقد صنع المصريون القدماء من شجرة الصفصاف أدوات زراعية، وفى الريف المصري وقبل شيوع الأدوية والطب كانت تستخدم أوراق الصفصاف في الشفاء من بعض الأمراض، حيث كانت توضع أوراقها على الرأس للشفاء من الصداع، وكانت أخشابها تصنع منها الفحم للتدفئة.

الباحث على الشوك ينقلنا في دراسته المنشورة في مجلة "الكرمل" عام 1986م، للصفصاف في الحضارات جميعا، مؤكدا أن الصفصافة كانت تستخدم في التعاويذ السومرية، حيث يقول النص السومري:"إذا جاءت شجرة الخا – لو – أوب، وهى الصفصاف من حقل في وسط المدينة، وفى تعويذة أخري عسى أن ينهضوا بفضل سبع سعفات وسبعة أغصان من شجر الصفصاف، وكان لحاء الصفصاف الأبيض يستخدم كمطهر".

ويؤكد على الشوك أنه في الحضارات القديمة ثمة ربط بين المرأة والصفصافة ربما يرجع ذلك لعادة التطهر ولأغراض علاجية أخري تختص بها المرأة القديمة، بينما كانت عبادة "يهوه" تقترن بالصفصافة أيضا، فاليوم الكبير يُسمى يوم الصفصاف، وهو طقس يُقدم فيه الماء، وتُشعل فيه النيران، ويحمل المحتفلون فيه أغصان الصفصاف أو سعف النخيل، أما في الحضارة اليونانية، فقد كانت "هليكة" أي الصفصافة هي شجرة الشهر الخامس عند اليونان.

 وكانت الصفصافة عند اليونانيين تستعمل في السحر، وقد استقى نهر هليكون اسمه من الصفصاف، وهو النهر المقدس عند الموزيات آلهة الآلهة عند الإغريق، وفى الأسطورة اليونانية أن إيون والد الإيويين وعلى اسمه جاء اسم اليونان تزوج هيلكة أي الصفصافة، ومن نسلهما انحدرت الطبقات الأربع لسكان اليونان وهم:الفلاحون ، والصناع، والكهنة والجنود، وكان اسم أوربا عند أهل كريت هيلوتس الذي يذكرنا بالصفصافة، وكان كبير الآلهة زيفس مولودا تحت شجرة صفصاف يرجع على الشوك تقديس أبناء الحضارات القديمة للصفصاف؛ لأنها كانت متعلقة بالماء مثل البشر فهي تنبت وتعيش بالقرب من الأنهار والقنوات المائية.

 وقد ارتبطت الصفصافة أيضا بآلهة القمر والتي تستنزل من خلالها الندى، وقد أُطلق عليها مسميات عديدة في الحضارة الآكادية، وأيضا في الأبجدية الأوغارتية الكنغانية بسوريا.

 و يؤكد بعض المؤرخين أن الألفاظ اليونانية في الصفصاف هي من تأثيرات اللغة السومرية، أما في العربية فقد حوت الصفصافة مسميات عدة فهي من ضمن الأشجار التي نبتت بكثافة في البلاد العربية، وقد أرجعها الشاعر أبو العلاء المعري بأنها من أشجار الجنة في "رسالة الغفران".

في العصر الحديث، وفى عهد محمد على باشا، كان يزرع صنفين من الصفصاف يعرف أحدهما بالصفصاف، وآخر باسم أم الشعور وأشجارهما كثيرة الانتشار، وكانت الحكومة تتخذ الفحم الذي تستعمله في صناعة البارود.

 وكشف المؤرخ أحمد الحته في مؤلفه "تاريخ الزراعة في عهد محمد باشا" أنه بلغت زراعة الصفصاف في الوجه البحري في عهد محمد علي باشا نحو 314 ألف و620 شجرة صفصاف فيما تمت زراعة 60 فدانا علي ضفاف الترع والنيل في الجيزة، وكانت كافة الأشجار تقلم وترسل لمصانع الباردوخانات لعمل " البارود"، حيث كان صنف الفحم المستخرج من الصفصاف، أكثر قابلية لصناعة البارود، بالإضافة للزيزفون وسوق القنب .

وفي التراث الشعبي كانت الصفصافة موجودة وبقوة، وعن هذا يقول صديق الهمامى محاضر في نوادي الأدب المركزي بالصعيد لــ"بوابة الأهرام ""إنه لوقت قريب كانت تستخدم الصفصافة مثلما استخدمها المصري القديم سواء في تظليل الأحواش من عروقها أو استخدامها في التدفئة، ومن قبلها استخدامها في الشفاء من الصداع بوضع أوراقها على الرأس، مثلما كان يفعل المصريون قديما"، مؤكدا أن العقلية الشعبية أعطت لشجرة الصفصاف وصفا بأنها شجرة حنون، وليست شجرة قاسية مثل السنط؛ لذا كانت من الأشجار التي تنبت بالقرب من الماء ولا يحتاج الإنسان مجهودا لزراعتها، فهي باقية ما بقي الماء والناس، مُطالبا بالاحتفاء بتراث هذه الشجرة وعدم انقراضها مثل عدد من الأشجار المصرية التي أصبحت نادرة الوجود في مصر مثل شجرة الجميز.

الجدير بالذكر أن الإسبرين المعالج من الصداع مستخرج من أوراق الصفصاف، وفى نهايات القرن التاسع عشر، بالتحديد عام 1892م، صار الصفصاف أكثر شيوعا، وخاصة في تغطيات الصحف والمجلات المصرية المتخصصة في الطب، حيث أوردت تغطية من المجلات الأجنبية عن المادة المستخلصة من الصفصاف وهي السليسين، أقوي علاج للحمى ونزلات البرد من المرض القديم، الذي أودى بحياة آلاف الناس منذ ظهوره في جزيرة صقلية بإيطاليا عام 415 قبل الميلاد.

كان السيلسين هو مادة الأسبرين الأولي التي عالجت الصداع في البشرية، وقد كان ظهوره علامة فارقة في تاريخ الأنفلونزا وفى الشفاء من آلام الرأس، وقالت الصحف إنه يمتد من مدة أسبوعين، وأن العلاج من الصفصاف أقوى من العلاج من الأدوية المستخرجة من شجرة الكينا.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة